إن استعراض ترجمات المجاورين تجعل الإجابة شاملة تغطي تلك التساؤلات كلها وتظهر جانبًا من واقع الحياة في المدينة وواقع فئة المجاورين. فمثلما كان المجاورون قادمين من بلاد شتى كانوا في مواردهم الاقتصادية حالات عدة مختلفة أيضًا.. كان فيهم الثري الذي أحضر معه مبلغًا كبيرًا يعيش منه ولا يجد حاجة للعمل. مثل الشيخ ضياء الدين الهندي الذي وجدوا في بيته خبيئة قدرها أربعمائة ألف درهم (1) . وكان فيهم صاحب التجارة الذي نقل تجارته إلى المدينة وقسم وقته بين العمل والعبادة متنعمًا بالإقامة في طيبة الطيبة كمحمد بن علي بن يحيى الغرناطي الذي كانت (له دنيا يتجر منها) (2) وكان فيهم صاحب المهنة الذي يرتزق بها فكان شيخ جماعة الفقراء الشيخ علي وأخوه خرازين (3) . وكان بعضهم فقراء لا يملكون المال ولا الصنعة التي تدر عليهم رزقًا وافيًا، وكان هؤلاء يعيشون حياة تقشف، وتوزع عليهم أموال الصدقات الوافدة من جهات شتى، ويذكر ابن فرحون أنه كان للمجاورين وظائف (رواتب سنوية) تصرف لهم وإذا توفي المجاور تنتقل مخصصاته إلى ورثته، وقد حدث هذا مع ابن فرحون نفسه حيث انتقلت إليه مخصصات والده بعد وفاته بفضل شيخ خدام المسجد النبوي (4) . وقد عمل عدد من المجاورين متوسطي الحال في تعليم الصبيان وتحفيظ القرآن وخاصة الذين لم يصلوا إلى مرتبة العلماء، وكانوا يجدون في هذه المهنة ما يساعدهم على حياتهم المتقشفة ومن هؤلاء أبو بكر بن عمر بن علي القرشي اليمني (ت 815 هـ) جاور بمكة والمدينة، وعمل في تأديب الأطفال (5) والشيخ محمد بن محمد ابن ميمون الجزائري الذي أقام بالمدينة خمسة أعوام يؤدب الأطفال) (6) . وكان بعضهم يسكن في المدارس أو يعمل في الخدمة فيها. وقد سكن إبراهيم الرومي في
(1) العقد الثمين 2/ 291 ـ 292
(2) بغية الوعاة 1/ 293
(3) نصيحة المشاور 104
(4) السابق 36
(5) الضوء اللامع 11/ 64
(6) العقد الثمين 2/ 326