وفي مجال الثقافة الدينية يذكر ابن فرحون أن المذهب الحنفي كان نادرًا في المدينة حتى قدم الشيخ شمس الدين بن العجمي فوجه عددًا من طلابه للاشتغال به وتدريسه ونشره، وما لبث أن انتشر هذا المذهب في المدينة (1) . كذلك نقل بعض المجاورين مفهومات التصوف وسلوكه بدرجات مختلفة، وكان بعض الشيوخ إذا اطمأن لتلميذه يلبسه خرقة الصوفية بيده إعلامًا لانتظام هذا التلميذ في الصوفية. وقد ألبس العفيف الدلامي تلميذه محمد بن محمد بن سعيد الصنعاني الخرقة الصوفية بيده (2) . كما نقل بعض المجاورين عادات أقرب إلى الأنشطة الترويحية.. فيروي ابن فرحون أن مجموعة من المجاورين الأندلسيين والمغاربة كانوا إذا نزل الغيث وأصاب جبل أحد يخرجون إلى مشهد سيدنا حمزة، ويبيتون عنده في القبة في صلاة وعبادة ويجتمع عندهم جل الخدام والمجاورين ورؤساء المؤذنين وفضلاء المدرسين وعامة الناس أجمعين من فقير ومجاور ومدني... حتى أنه لا يبقى في المدينة إلا القليل، فيخرج كل جماعة بما يقدرون عليه من الطعام الفاخر وغير الفاخر، ويأتي الخدام بأنواع من الحلوى والأطعمة الملونة، فتكون ليلتهم في الذكر والعبادة تعدل ألف ليلة لما اشتملت عليه من خيرات الدنيا والآخرة، وكان جماعة الفقراء وشيوخهم الشيخ علي وأخوه الشيخ محمد الخرازين يحملون معهم القرب فيظن الناس أنها ماء، وهي ملأى من طبيخ الرز والبسلا يعدونه للفقراء الذين يتبعونهم ويخرجون معهم، ثم يلحقهم مددهم ممن تأخر عنهم في صبيحة ليلتهم، فإذا أصبحوا وصلوا الصبح سرحوا إلى الجبل فطلعوا فيه جماعات جماعات ولهم في الجبل مقامات يجلسون فيها، فمنها موضع للطعام، وفيها موضع وسط الجبل متسع تمد فيه الحلوى والأطعمة المحلاة، وفيها موضع بعده يمدون فيه أنواعًا من الحمضيات والحريقات، حتى إذا انتهوا إلى رأس الجبل صلوا في تلك المساجد (؟) واجتمعوا
(1) نصيحة المشاور 169
(2) العقد الثمين 2/ 291