وحسب رواية ابن فرحون تلك فإنه في الوقت الذي كان فيه صلاح الدين يٌنهي الحكم الفاطمي وتوابعه، ويعيد مصر إلى السنية الشافعية كان دعاة الإمامية في المدينة (القيشانيون) يجتذبون أعدادا من ضعفة الناس إلى الإمامية ويؤسسون قاعدة مذهبهم بهدوء، مستفيدين من حماية الأمير والأشراف الإماميين بعامة، ومتجنبين كل مايثير عليهم الآخرين، ويقتضي هذا الأسلوب من العمل صبرا وزمنا ومالا لابد أنهم بذلوه حتىاستطاعوا أن يضعوا قاعدة مذهبية جديدة. ولانجد في المصادر التي بين أيدينا أية إشارات إلى هذه القضية، ولكننا نستطيع أن نستنتج من صورة الحياة في منتصف القرن السابع ما يدل على تغير الموازين ووصول الإماميين إلى مناصب مهمة لها أثر في الحياة الاجتماعية. ففي عهد الأمير منيف بن شيحة كان القاضي الأول في المدينة من الإمامية، وهو الذي كتب الرسالة الطويلة التي تناقلتها كتب التاريخ وصور فيها أحداث البركان سنة 654 هـ واسمه شمس الدين سنان بن عبدالوهاب بن نميلة الحسيني (1) وحمل الرسالة إلى السلطان رسول خاص يعرف بقيماز العلوي الحسيني المدني (2) وظل منصب القضاء بعد ذلك في أيدي آل سنان مدة طويلة، ونفهم من رواية ينقلها ابن فرحون عن سلطان بن نجاد أحد شيوخ الوحاحدة (إحدى القبائل التي تعيش في المنطقة) أن سنانا هذا كان يتحاشى القضايا الخلافية الساخنة التي تثير أهل السنة، بل ويجاملهم ولو أدى به الأمر إلى الخروج عن معتقده ظاهريا، يقول سلطان بن نجاد (أدركت القاضي سنان يخطب على المنبر، ويذكر الصحابة بخير ويترضى عنهم، ثم يذهب إلى بيته فيكفر عن ذلك بكبش يذبحه ويتصدق به، يفعل ذلك كل جمعة عقب الصلاة) (3) . إن المدة التي استغرقتها نشر الإمامية وتجميع قاعدة من معتقديها هي أقل من قرن، وقد لا يكون سنان أول قاضٍ إمامي، وهذا يقلص المدة
(1) انظر البداية والنهاية 13/ 201
(2) السابق 13/ 205
(3) نصيحة المشاور 209