فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 375

ولاشك أن لموقف أمراء المدينة أثر كبير في حفظ العلاقة الاجتماعية بين فئات السكان، وذلك عندما يحسنون ضبط الأمور ويعالجون المشكلات الطارئة بسرعة ويمنعون تطورها وتفاقمها. ويبدو لي من غيبة الأحداث الكبيرة والفتن عن كتب التاريخ والتراجم أن المصادمات كانت أقل من أن تذكر، وأن نتائجها لم تكن لتتجاوز التأزم النفسي، وقد حرص المؤرخون وأصحاب التراجم على ذكر الأحداث التي وقعت بسبب الخلافات المذهبية مثل: سجن الأمير منصور للشريف يعقوب لأنه حاجج أحد الإماميين وغلبه (1) ، وما أصاب الشيخ ضياء الدين الهندي على يد الأمير جماز بن منصور (2) ، ومقتل القاضي السني شمس الدين بن الزمن على يد أحد الشيعة (3) ، وعقوبة الأمير زبيري لرجل من السنة شتم أحد الشيعة بقوله: يارافضي فضرب حتى مات (4) ، وانحياز بعض الأمراء للشيعة وانحياز آخرين للسنة إلخ. وابن فرحون الذي عاش فترة تجاذب منصب القضاء بين السنة والإمامية وتتبع الجوانب السلبية من العلاقة بين الطرفين لا يذكر أية حادثة كبيرة تدل على وجود مصادمات أو اضطرابات.. الأمر الذي يرجح لدينا أن العلاقات الاجتماعية كانت عادية، فيها صداقات، وعلاقات عادية، وفيها مايجري في الحياة اليومية من خلافات صغيرة وتأزم نفسي محدود (5)

(1) نصيحة المشاور 81

(2) العقد الثمين 2/ 292

(3) بدائع الزهور 3/ 145

(4) التحفة اللطيفة 2/ 80

(5) من صور التأزم النفسي التي يعرضها ابن فرحون أن بعض الإماميين كانوا يعقدون مجالس أدعية خاصة في المسجد النبوي في رمضان يتشوش فيها الذين يصلون التراويح، وأن بعضهم كانوا يجلسون على طريق الزوار الداخلين إلى الحجرة النبوية ليحصلوا على إكراميات من الزوار،وكان هذا يغيظ بعض أهل السنة، وأن أحدهم سمع قارئا يقرأ (ومن أهل المدينة مردوا علىا النفاق) فضرب القارىء [نصيحة المشاور 16 - 18] وربما يكون القارىء قد قرأها على سبيل التعريض، كما كان يفعل الحلبي (وهو إمامي) الذي كان يمر قرب مجلس فيه القاضي السني السراج يتمثل بالآية الكريمة (ناصية كاذبة خاطئة) [السابق 211] فهذه التصرفات لا تخرج عن كونها تعبيرا عن تأزم نفسي يبحث عن تنفس وينطفىء بعد حين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت