وثمة صور إيجابية عالية للعلاقة الحسنة بين الطرفين يروي بعضها ابن فرحون نفسه ففي حديثه عن القاضي الإمامي نجم الدين مهنا بن سنان الذي توفي سنة 754هـ يثني عليه ثناء حسنا ويذكر أنه كان من أعظم الناس موالاة للمجاورين واختلاطا بهم، يتحبب إليهم ويمدحهم بالفضائل الحسنة ويستقضيهم الحوائج، ويحضر مواعيدهم ومجالس الحديث، مع أنه رأس الإمامية (وبه نياط الحل والعقد، وإليه ترجع محاكمات الشيعة وأنكحتهم وعقودهم وغير ذلك) (1)
وبالمقابل كان بعض وجهاء السنة يجاملون الإماميين في بعض تقاليدهم فقد كان للإماميين صلاة استحدثوها تسمى صلاة الرغائب لعلها بقايا ما أخذ عن الفاطميين، وهي صلاة نافلة جماعية يصلونها ليلة أول جمعة من شهر رجب وقد صلاها الشيخ سراج الدين ـ قاضي السنة ـ معهم مجاملة (2)
كما أن الموقف العام لسلاطين المماليك أسهم في توجه بعض أمراء المدينة إلى منع أية مشاحنات، وكبح جماح المتطرفين من الإمامية، وربما الوقوف في وجههم وتقديم أهل السنة. فقد حمى طفيل بن منصور القاضي السني ابن فرحون ولم يسمع فيه شكاوى قضاة الشيعة (3) وأوقف سعد بن ثابت قضاء الإماميين (4) وأظهر جماز بن هبة بن جماز اعزاز السنة حتى تضايق منه كثير من الإماميين (5) وكان زهير بن سليمان مناصرا لأهل السنة (6) وكذلك ودي بن جماز (7) .. الخ.
ومن الظلم أن نجعل تصرفات هؤلاء بسبب إرضاء السلطان فقط.. ولكن من الخطأ أيضا أن نغفل هذا السبب فقد كان الأمراء يخشون أن يرى السلطان فيهم خصوما للسنيين فيعزلهم أو يقبض عليهم، ولعل عزل هبة بن جماز وثابت بن نعير وقتل جماز بن منصور مؤشر صحيح لذلك.
(1) نصيحة المشاور 202
(2) السابق 17
(3) السابق 217
(4) التحفة اللطيفة 2/ 125
(5) الضوء اللامع 3/ 78
(6) التحفة اللطيفة 2/ 85
(7) الدرر الكامنة 4/ 407