ولو أردنا أن نرسم خطًا زمنيا لتطور الإمامية وسلطتها في المدينة لجعلنا هذا الخط يبدأ في النصف الثاني للقرن السادس وينمو بسرعة ويبلغ ذروته في القرن السابع الهجري حيث تسلم الإماميون القضاء والخطبة في المسجد النبوي ويستمر حتى منتصف القرن السابع حيث يبدأ خط الانحدار متذبذبا فيهبط درجتين حينا ويصعد درجة واحدة حينا آخر حتى يبلغ نهاية العهد المملوكي ويتوقف ارتفاعه تماما في العهد العثماني.
كانت بداية تراجع السلطة الإمامية في الثلث الأخير من القرن الهجري السابع، وكان ميدانها الأول الخطابة في المسجد النبوي، فقد أرسل السلطان المملوكي قلاوون في سنة 682 هـ الشيخ سراج الدين عمر بن أحمد الحصري... من مصر بمرسوم يوليه فيه الخطابة في المسجد النبوي، فتسلمها من آل سنان الذين كانوا يجمعون بين الخطابة والقضاء والإمامة، وبقي لهم القضاء والإمامة وكان لأهل السنة إمام يصلي بهم الصلوات فقط، ولقي الشيخ سراج الدين مضايقات من بعض الإماميين فلم يستقر في العمل، وعلم السلطان بمايلاقيه من يرسلهم إلى المدينة فصار (يبعث مع الحاج شخصا يقيم لأهل السنة الخطابة والإمامة إلى نصف السنة، ثم يأتي غيره مع الرجبية [في شهر رجب] إلى ينبع ثم إلى المدينة، وكل من جاء لايقدر على الإقامة نصف سنة إلا بكلفة ومشقة، لتسلط الإمامية من الأشراف وغيرهم عليه) (1) وفي العقد الأول من القرن الثامن أي بعد حوالي عشرين سنة من تحول الخطبة من الإماميين جاءت الخطوة الثانية، إنهاء تفرد الإماميين بالقضاء وتعيين قاض لأهل السنة، وقد جاءت هذه الخطوة بطلب من المجاورين الذين كثر عددهم فطلبوا من السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون (أن يكون لأهل السنة حاكم يحكم بينهم ويحملهم على مذهبهم، فجاء تقليد بذلك للقاضي سراج الدين وجاءته على ذلك خلعة وألف درهم) (2) .
(1) نصيحة المشاور 206
(2) السابق 210