كان الشيخ سراج الدين قد خبر الحياة في المدينة عندما تولى الخطابة فأدرك أنه سيلاقي عنتا من بعض الإماميين، لأنه أخذ قسما مهما من سلطتهم، ومن مورد رزقهم، فقد كان القضاة يستوفون من المتخاصمين أتعابهم أو بعضها وتحول المتخاصمين من أهل السنة ـ وهم كثيرون ـ إلى قاض آخر سيؤثر على دخلهم.. وإذا لم يجد حماية كافية فسيتعرض للأذى.. لذلك تصرف بحكمة وذكاء، وطلب أن يحضر أميرالمدينة منصور بن جماز مراسيم التولية (1) وقال: أنا لا أتولى حتى يحضر الأمير منصور بن جماز فلما حضر (قال له سراج: قد جاءني من السلطان مرسوم بكذا، وأنا لا أقبل حتى تكون أنت المولي لي، فإنك إن لم تكن معي لم يتم أمري ولم ينفذ حكمي، فقال له: قد رضيت وأذنت، فاحكم ولا تغير شيئا من أحكامنا ولا حكامنا. فاستمر الحال على ذلك يحكم بين المجاورين وأهل السنة، وآل سنان يحكمون في بلادهم وعلى جماعتهم وعلى من دعي إليهم من أهل السنة، فلا يقدر أحد على الكلام في ذلك) (2)
ورغم حماية الأمير لقي الشيخ سراج الدين عنتا من بعض المتطرفين، خاصة بعد أن أعيدت إليه الخطبة، فصبر واحتسب، وشهد ابن فرحون بعضهم (يرجمونه بالحصا وهو يخطب على المنبر.. وكان يصبح باب بيته عليه مغلوقا وفي بعض الأحيان يلطخونه بالنجاسة ويتبعونه بكل أذى وهو صابر، وربما عذرهم لاحتراقهم على خروج المنصب من أيديهم بعد توارثهم له) (3)
(1) كانت مراسيم تولية المناصب الكبيرة تتم في المسجد النبوي، حيث يقرأ المرسوم على المنبر، ثم يلبس الشخص المعين الخلعة المرسلة من السلطان ويتلقى التهاني.
(2) نصيحة المشاور 210
(3) السابق نفسه