والذي يصفه ابن حجر بأنه (مقيم السنة ومعليها، ورافض الرافضة ومقصيها) (1) وهذا مايفسر لنا تغير الموازين بسرعة، ويفسر وصف السخاوي للأميوطي بأنه (شدد على الأشراف وسقاهم المر وأذاقهم الصبر وسطا على الإمامية ) (2) غير أن الأميوطي والأمير ودي لم يلغيا وظائف القضاء الخاص بالإمامية فاستمر قضاتهم يحكمون في الدعاوى التي ترفع أمامهم (3) . وتسلم المناصب الثلاثة: القضاء والخطابة والإمامة في المسجد النبوي بعد الأميوطي عبدالرحمن بن عبدالمؤمن الهوريني، فواصل سياسة سلفه في منع البدع ومنع ظواهر الانقسام، والأحكام التي يتفرد بها الإماميون وخاصة نكاح المتعة وسب الصحابة، وعزر من ثبت عليه شيء منها. وكان نائبه عبدالله بن محمد بن فرحون بارعا في استمالة الناس إليه، فأقبلوا عليه يتقاضون عنده، وضج القضاة الإماميون من فعله فقد انصرف عنهم الناس وانقطع أو كاد دخلهم من القضاء، فاشتكوا إلى الأمير طفيل، ولكن الأمير طفيل واجههم بالحقيقة، بأن ابن فرحون لم يفعل مايعاقب عليه وقال لهم: إذا سكت عنكم وعن أحكامكم فلا تطلبوا منه غير ذلك (4)
(1) الدرر الكامنة 4/ 407
(2) الدرر الكامنة 4/ 407، وانظر نصيحة المشاور 216
(3) التحفة اللطيفة 1/ 54
(4) يقول ابن فرحون عن سياسته التي استمال بها الناس إليه وصرفهم عن القضاة الإماميين: (فسلكت مع الناس سبيل السياسة، وسددت الأحكام وجريت على الصلح بين الخصوم فمال إلي أهل المدينة، ورأوني لا آخذ منهم شيئا في حكم ولا إثبات ولا وراقة، بل ربما أعطي من عندي ما أتحقق ضرورته من الغرماء، فأحبني أهل البلد، ومالوا عن القضاة الإمامية واعتزلوهم وتركوا المحاكمة عندهم، حتى إن القاضي حسن بن سنان الملقب غرير صار يجلس على باب زقاقنا، فإذا رأى الخصمين دعاهما، فلا يلتفتان إليه، لأنهم كانوا إذا حكموا ألحقوا المحكوم له رسولا أو ورقة يطلبون منه شيئا، وإن كتبوا ورقة طلبوا أجرا، ويقبلون من الشهود من كان من رعاع الناس [نصيحة المشاور 217]