وضرار بن الأزور [1] في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أُثبِتوا جميعًا جراحًا وقتلوا، إلا من برأ ومنهم ضرار بن الأزور، قال: وأتي خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحًا فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه، وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر في حلوقهما الماء ويقول: كلا زعم ابن الحنتمة أنا لا نُسْتَشْهَد. [2]
2 -وفي تاريخ مدينة دمشق عن واثلة بن الأسقع [3] قال: لما نزل خالد بن الوليد الصُفَّرَ [4] ، قال واثلة بن الأسقع: ركبت فرسي ثم أقبلت أسير حتى انتهيت إلى باب الجابية [5] ، قال: فنزلت عن فرسي فمَعَكْتُه [6] ثم شددت عليه سرجه، ثم اعتمدت على رمحي، فسمعت صرير فتح باب الجابية، وإذا أنا بأناس قد خرجوا خَرَّائين [7] ، فقلت: قبيح مني أن أحمل على رجل على مثل هذه الحالة فلم يكن إلا يسيرًا، حتى خرجت خيل عظيمة فأمهلتها حتى إذا كانت فيما بيني وبين دير ابن أبي أوفى حملت عليهم من خلفهم، ثم كبرت فظنوا أنهم قد أحيط بمدينتهم، فانصرفوا راجعين، قال: وشددت على عظيمهم فدعسته [8] بالرمح فوقع، وضربت بيدي إلى بِرْذَونه [9] فأخذت بلجامه ثم ركبته، فنظروا إلي، فلما رأوني وحدي، أقبلوا علي؟ فالتفت فإذا برجل قد نَدَرَ [10] بين أيديهم فرميت بالعنان على قَرَبوس [11] السرج، ثم عطفت عليه، فدعسته بالرمح فقتلته، ثم عدت إلى البرذون، فأتبعوني فالتفت، فإذا برجل قد ندر بين أيديهم، فألقيت العنان على قربوس السرج، ثم عطفت عليه فدعسته بالرمح فقتلته حتى واليت بين ثلاثة فلما رأوا ما أصنع انطلقوا راجعين. وأقبلت أسير حتى أتيت الصُّفَّر، فأتيت منزلي فربطت البرذون ونزعت عنه سرجه، ثم أتيت خالد بن الوليد فذكرت له ما صنعت وعنده عظيم الروم، قد كان خرج إليه يلتمس الأمان لأهل المدينة، فقال له خالد: هل علمت أن اللّه قد قتل فلانًا -يعني خليفته - قال بالرومية: متانوس - يعني: معاذ اللّه - فأقبل واثلة بالبرذون، فلما نظر إليه عظيم الروم عرفه، قال أتبيعني السرج؟ قال: نعم، قال: لك عشرة آلاف. فقال خالد بن الوليد: بِعْه، قال واثلة لخالد: بعه أنت أيها الأمير، فباعه، قال: وسَلَّم إلَيَّ سَلَبَه ولم يأخذ منه شيئًا. [12]
3 -وروى الحافظ المزي بإسناده قال: غزا بُسْر بن أرطاة [13] الروم، فجعلت ساقته [14] لا
(1) ضرار بن الأزور (صحابي) : أبو الأزور ويقال أبو بلال، واسم الأزور مالك بن أوس بن جذيمة الأسدي، سكن الكوفة، كان فارسًا شجاعًا، اختلف في وفاته فذكر الواقدي أنه قاتل يوم اليمامة قتالًا شديدًا حتى قطعت ساقاه جميعًا فجعل يحبو على ركبتيه ويقاتل وتطؤه الخيل حتى غلبه الموت، وقيل: إنه قتل يوم أجنادين في خلافة أبي بكر، وقيل: توفي في خلافة عمر بالكوفة. ينظر: الطبقات الكبرى 6/ 39، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 746، الإصابة في تمييز الصحابة 3/ 481
(2) تاريخ ابن جرير 2/ 338، تاريخ دمشق 24/ 391
(3) واثلة بن الأسقع (صحابي) : واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر، وقيل: واثلة بن الأسقع بن عبد العزى الليثي، من أصحاب الصُّفَّة، أسلم سنة تسع وشهد غزوة تبوك، وكان من فقراء المسلمين، طال عمره، ت:83هـ وهو ابن مائة وخمس سنين. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 4/ 1563، سير أعلام النبلاء3/ 383، الإصابة في تمييز الصحابة 6/ 591
(4) الصُّفَّر: بضم الصاد وفتح الفاء المشددة موضع بين دمشق والجولان. معجم البلدان 3/ 413
(5) الجابية: حي بدمشق. لسان العرب 14/ 131 مادة (جَبَى)
(6) المعك: الدلك، معكه في التراب يمعكه معكًا دلكه. لسان العرب 10/ 490 مادة (مَعَكَ)
(7) خرّائين: من الخِراءة وهي التخلي والقعود للحاجة، والمراد أنهم خرجوا لقضاء حوائجهم. لسان العرب 1/ 64 مادة (خَرَأ)
(8) الدعس بالرمح: الطعن. لسان العرب 6/ 83 مادة (دَعَس)
(9) البِرْذَون: يطلق على غير العربي من الخيل والبغال من الفصيلة الخيلية، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، قوي الأرجل، عظيم الحوافر. المعجم الوسيط مادة (بَرْذَنَ) ص: 48
(10) نَدَرَ: شذ. مختار الصحاح مادة (ندر) 1/ 272
(11) القَرَبوس: حِنو السرج أي رجله. لسان العرب مادة (قَرْبَس) 6/ 172
(12) رواه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 62/ 345
(13) بُسْر بن أرطاة (مختلف في صحبته) : أبو عبد الرحمن بسر بن أرطاة بن عمير بن عويمر القرشي العامري، الأمير نزيل دمشق، اختلف في صحبته فذهب الواقدي وأحمد وابن معين أنه لم يسمع من النبي -، وذهب أهل الشام إلى أنه سمع منه، شهد فتح مصر وكان من شيعة معاوية، ووجهه معاوية إلى اليمن والحجاز، وولي له البحر، وقد اختلف في وفاته فقيل: إنه مات أيام معاوية، وقيل: بقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان، وقيل: مات في خلافة الوليد سنة 86هـ. ... ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 1/ 157، سير أعلام النبلاء 3/ 409، الإصابة في تمييز الصحابة 1/ 289
(14) الساقة: جمع سائق، وهم الذين يَسُوقون جيش الغُزاة ويكونون مِنْ ورائه يحفظونه. لسان العرب مادة (سوق) 10/ 167