وتطبيقًا لما سبق على الواقع الدولي المعاصر، فإن مصطلح دار الحرب يشمل جميع البلاد التي ليس فيها ولاية إسلامية، ولا تسود فيها أحكام الشريعة، وذلك أيًا كانت أنظمتها القانونية أو السياسية. ورعايا دار الحرب يسمون حربيين، ولا يلزم أن يكونوا حربيين بمعنى وجود القتال في جميع الأحوال، فقد يرتبطون أحيانًا مع المسلمين بميثاق فيكونون حينئذ معاهدين. [1]
كان ظهور فكرة دار العهد تابعًا لتطور علاقة الدولة الإسلامية بغيرها، فحينما كانت الحروب قائمة على قدم وساق بين المسلمين وغيرهم ظهرت فكرة تقسيم الدنيا إلى دارين. فلما استقرت الأوضاع العامة وهدأت الحرب برزت الحاجة إلى تدعيم العلاقات بين المسلمين وغيرهم عن طريق المعاهدات مع البلاد التي ليس فيها ولاية ولا تسود فيها أحكام الشريعة، وذلك أيًا كانت أنظمتها القانونية أو السياسية. [2]
معنى العهد:
يطلق العهد في اللغة ويراد به عدة معان، منها: الأمان، واليمين، والمَوثق، والذمة، والحفاظ، والوصية، ورعاية الحرمة. [3]
والذي يتعلق بموضوعنا من هذه المعاني هو الأمان والمَوثق ورعاية الحرمة ونحوها.
أما في الاصطلاح، فالعهد عند الأحناف: الصلح على ترك القتال مؤقتًا. [4]
وعند المالكية:"صلح الحربي مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام" [5] .
وعند الشافعية:"مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره، سواء فيهم من يقر على دينه ومن لم يقر" [6] .
وعند الحنابلة:"أن يعقد لأهل الحرب عقدًا على ترك القتال مدة، بعوض وبغير عوض" [7] .
تحرير النزاع في المراد بدار العهد:
لدار العهد أو الصلح عند الفقهاء نوعان باعتبار ملكيتها:
النوع الأول: الأرض التي يصالح أهلها الكفار على أنها للمسلمين، وتقر في أيدي أهلها بالخراج.
ولا خلاف بين الفقهاء أن هذه الدار تتحول بناءً على هذا الصلح إلى دار إسلام، لأن السلطة والظهور فيها للمسلمين. [8]
وبناءً على هذا يكون لهذه الدار أحكام دار الإسلام.
النوع الثاني: الأرض التي يصالح أهلها الكفار على أنها لهم، وعليهم الخراج.
وقد اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة أقوال، أذكرها على سبيل الإجمال:
القول الأول: أنها تكون دار إسلام. وهذا مذهب الحنفية [9] وظاهر كلام المالكية [10] ،
(1) آثار الحرب في الفقه الإسلامي / 160
(2) المصدر السابق
(3) ينظر مادة (عهد) في: لسان العرب 3/ 312، القاموس المحيط 1/ 387، مختار الصحاح 1/ 192
(4) بدائع الصنائع 7/ 108
(5) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2/ 206
(6) مغني المحتاج 6/ 86
(7) المغني 9/ 238
(8) شرح السير الكبير 5/ 1530، المدونة 3/ 297، روضة الطالبين 5/ 433، الأحكام السلطانية للماوردي ص:175، الإنصاف 4/ 191
(9) شرح السير الكبير 5/ 2165
(10) ففي المدونة 1/ 338 - 339 سئل ابن القاسم - صاحب مالك - عن المعادن تظهر في أرض صالح عليها أهلها؟ فقال: أما ما ظهر فيها من المعادن فتلك لأهلها، لهم أن يمنعوا الناس أن يعملوا فيها وإن أرادوا أن يأذنوا للناس كان ذلك لهم، وذلك أنهم صالحوا على أرضهم فهي لهم دون السلطان. قال: وما افتتحت عنوة فظهر فيها معادن، فذلك إلى السلطان يصنع فيها ما شاء ويقطع بها لمن يعمل فيها، لأن الأرض ليست للذين أخذوها عنوة.
فقوله: (فهي لهم دون السلطان) أي سلطان المسلمين. فظاهر كلامه أن سلطان المسلمين له سلطة عليهم، وهذا يعني أن دارهم دار إسلام. وينظر: اختلاف الدارين 1/ 37