فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 409

لكفاه، إلى أن قال: فكفى بك شغلًا أن تصح وتسلم، وتداوي بعضك ببعض، فذلك هو الجهاد الأكبر، لأنه مغالبة المحبوبات، لأنك إذا تأملت ما يكابد المعاني، لهذه الطباع المتغالبة وجدته القتل في المعنى" [1] ."

3)وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال:"لا، لَكُنَّ أفضلُ الجهاد حج مبرور" [2] .

وجه الاستدلال: هذا الحديث فيه دلالتان:

الأولى: أنه قد استقر في عرف الصحابة - أن المراد بالجهاد عند الإطلاق القتال في سبيل الله، وهو المعنى الخاص الذي تقدم بيانه.

الأخرى: أن لفظ الجهاد قد يطلق على بعض الطاعات من باب الجهاد العام، كما سمى النبي - هنا الحجَ جهادًا.

قال ابن حجر:"وسماه جهادًا لما فيه من مجاهدة النفس" [3] .

وهكذا، يتضح من هذا المطلب أن للجهاد معنيين: عام وخاص، ولكل معنى أنواع فرعية تندرج تحته. والمعنى الذي هو موضوعنا في هذا البحث هو الجهاد بالمعنى الخاص.

المطلب الثالث: فضل الجهاد

الجهاد في سبيل الله من أعظم شعائر الدين العملية، وما ذلك إلا للنصوص المتكاثرة المتواترة التي نبهت على فضله وعظم شأنه، علاوة على ما يحققه الجهاد من المصالح الظاهرة من إقامة الدين كله لله، ونشر الدعوة المباركة في المعمورة.

1 -وقد أخبر الله تعالى بالعقد الذي عقده مع المؤمنين المجاهدين، ووعدهم بالفوز العظيم إذا هم التزموا بهذا العقد، وقدّموا المثمن وهو أرواحهم التي يبذلونها رخيصة في سبيله وابتغاء مرضاته. قال الله تعالى: - إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) [4] .

فلما سمعت النفوس المؤمنة هذا النداء الكريم شمرت عن سواعدها، وقدّمت أرواحها في ساحات الجهاد، ولسان حالها يقول: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل.

2 -وأخبر الله بمحبته للمجاهدين في سبيله جل وعلا، فقال سبحانه: - إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) - [5] .

3 -وشبه الله الجهاد بالتجارة الرابحة التي يجني العبد منها الثمرات العظيمة في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) - [6]

والآيات في فضل الجهاد وما أعد الله لأهله من النعيم المقيم كثيرة معلومة.

أما الأحاديث النبوية فقد ورد فضل الجهاد في أحاديث كثيرة، منها:

1)عن أبي هريرة - عن النبي - قال:"انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم"

(1) الفروع 1/ 532

(2) رواه البخاري في كتاب الحج برقم (1448)

قال ابن حجر في فتح الباري 3/ 382: اختلف في ضبط (لَكُنَّ) فالأكثر بضم الكاف خطاب للنسوة. اهـ

(3) فتح الباري 3/ 382

(4) [التوبة: 111]

(5) [الصف:4]

(6) [الصف: 10 - 13]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت