من المقرر في الشريعة أن المدنيين الحربيين -مع مراعاة اختلاف الفقهاء في هذا المدلول- معصومو الدم في الأصل، فلا يجوز التعرض لهم بأي عمل من أعمال القتل، سواء كان عملًا فدائيًا أو غيره.
قال ابن دقيق العيد:"ولعل سر هذا الحكم: أن الأصل عدم إتلاف النفوس وإنما أبيح منه ما يقتضيه دفع المفسدة، ومن لا يقاتل ولا يتأهل للقتال في العادة: ليس في إحداث الضرر كالمقاتلين فرجع إلى الأصل فيهم، وهو المنع. هذا مع ما في نفوس النساء، والصبيان من الميل وعدم التشبث الشديد بما يكونون عليه كثيرًا أو غالبًا، فرفع عنهم القتل، لعدم مفسدة المقاتلة في الحال الحاضر، ورجاء هدايتهم عند بقائهم" [1] .
وإذا كان هذا هو الأصل في المدنيين الحربيين، فإن أهل العلم ذكروا أحوالًا استثنائية تبيح قتل هؤلاء المدنيين.
ومن هذه الحالات الاستثنائية: المشاركة في القتال، وسب الله أو رسوله - أو الإسلام، والإغارة إذا لم يمكن التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وتترس الحربيين المقاتلين بالحربيين المدنيين، والمعاملة بالمثل، ونحو ذلك مما سبق ذكره قريبًا.
وإذا نظرنا إلى الوضع العالمي اليوم، فإننا ندرك أنه على الرغم من وجود الاتفاقيات والقوانين الدولية التي تحصر الحرب في المقاتلين، وتمنع استهداف المدنيين؛ فإن واقع الحروب الحديثة أثبت أنه من الصعب التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وذلك لعدة أسباب، منها: [2]
السبب الأول: استنفار الدول كل أو معظم رعاياها، وتكليفهم بأعمال تتصل بالحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بل إن بعض الدول قد تجري الاستفتاءات العامة لاتخاذ قرار الحرب بناءً
(1) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ص:694
(2) آثار الحرب ص:504 - 505