نجدة وشجاعة وما أشبه ذلك من الخطط الشرعية؛ إذ لا يصح أن يطلب بها من لا يبديء فيها ولا يعيد، فإنه من تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى المكلف، ومن باب العبث بالنسبة إلى المصلحة المجتلبة أو المفسدة المستدفعة، وكلاهما باطل شرعًا" [1] ."
ما هو حد الكفاية في الجهاد؟
وإذا كانت فروض الكفاية في الشريعة كثيرة، فإن حد الكفاية يختلف من فرض إلى آخر.
وقد تحدث أهل العلم عن الحد الذي تحصل به الكفاية، ويسقط به فرض الجهاد عن بقية المسلمين، فنذكر طرفًا من كلامهم. [2]
قال الشافعي:"فرض الجهاد إنما هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به حتى يجتمع أمران أحدهما: أن يكون بإزاء العدو المخوف على المسلمين من يمنعه، والآخر: أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية حتى يسلم أهل الأوثان، أو يعطي أهل الكتاب الجزية. فإذا قام بهذا من المسلمين من فيه الكفاية به خرج المتخلف منهم من المأثم في ترك الجهاد وكان الفضل للذين وَلُوا الجهاد على المتخلفين عنه" [3] .
وقال ابن قدامة:"ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم ; إما أن يكونوا جندا لهم دواوين من أجل ذلك، أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعًا بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم، ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها، ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو في بلادهم" [4] .
وعلى هذا يمكن أن يقال إن حد الكفاية الذي يسقط به الواجب يتحقق باجتماع أمرين، أحدهما دفاعي، والآخر دعوي:
أما الدفاعي: فيراد به حماية حدود الدولة الإسلامية، وتأمين الثغور بقوات كافية للرد على اعتداء العدو.
وأما الدعوي: فيراد به وجود القوة الكافية لتسيير الجيوش إلى بلاد الكفر وحمل دعوة الإسلام إليها، سواء كانت هذه القوة من الجيش النظامي، أو من المتطوعين.
ذكر أهل العلم بعض الأحوال التي ينتقل فيها حكم الجهاد من الوجوب الكفائي إلى الوجوب العيني على كل قادر على الجهاد، وإن كان في الأصل ليس من أهل الوجوب.
الحالة الأولى: إذا دهم العدو بلدًا من بلاد المسلمين:
وهذه الحالة يطلق عليها جهاد الدفع.
وقد حكى ابن حزم [5] في مراتب الإجماع اتفاق العلماء على فرضية الجهاد على الأحرار البالغين المطيقين في هذه الحالة. [6]
ونص على تعين الجهاد في هذه الحالة الفقهاء من المذاهب الأربعة. [7]
قال الجصاص [8] :"معلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو، و"
(1) الموافقات 1/ 177
(2) ينظر في حد الكفاية: بدائع الصنائع 7/ 98، فتوحات الوهاب 5/ 180، الأشباه والنظائر للسيوطي ص:413، فتاوى الرملي 4/ 44، كشاف القناع 3/ 33، المحلى 5/ 340
(3) الأم 4/ 176
(4) المغني 9/ 162
(5) ابن حزم: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، عالم الأندلس في عصره وأحد أئمة الإسلام كان فقيهًا حافظًا مستنبطًا للأحكام، انتقد كثيرًا من الفقهاء فتمالؤوا على بغضه، له مؤلفات كثيرة منها: المحلى، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ت: 456.
ينظر: سير أعلام النبلاء 18/ 184، تذكرة الحفاظ 3/ 1146، الأعلام 4/ 254
(6) مراتب الإجماع 1/ 119
(7) رد المحتار 4/ 127، تبيين الحقائق 3/ 241، شرح الخرشي 3/ 110، حاشية العدوي 2/ 4، مغني المحتاج 6/ 22، أسنى المطالب 4/ 178، المغني 9/ 171، الانصاف 4/ 117، المحلى 5/ 341
(8) الجصاص: أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، أحد العلماء الفضلاء من أهل الري، سكن بغداد ومات فيها، وانتهت إليه رئاسة المذهب الحنفي، ومن مؤلفاته: أحكام القرآن، أصول الفقه، ت:370هـ.
ينظر: طبقات الحنفيه 1/ 84، كشف الظنون 1/ 46، الأعلام 1/ 171