الترجيح
بناءً على ما تقدم من ذكر أدلة الفريقين والمناقشة، يتبين أن المسألة خطيرة وحرجة في الواقع، إلا أن أقرب القولين - والله أعلم - هو القول الأول القائل بالجواز، وعليه يجوز للأسير أن يبادر بقتل نفسه، لكن هذا الترجيح لابد أن يقيد بالشروط التالية: [1]
أ- أن تكون نيته خالصة لله، ودافعه لهذا العمل حماية المسلمين وبيضتهم، لا أن يكون الوازع عدم الصبر على العذاب والضجر مما نزل به.
ب- أن يكون السر خطيرًا، يترتب على كشفه ضرر كبير يلحق بالمسلمين.
جـ- أن لا يستطيع حامل السر الصمود أمام التعذيب، ولا قدرة له على ذلك، فإن كان له قدرة وصبرٌ على ذلك حتى الموت فلا يجوز الانتحار.
د - أن يقع صاحب السر في أيدي الأعداء حقيقة، أو يغلب على ظنه أنه واقع لا محالة، لا بمجرد احتمال الوقوع في أيديهم.
فلو كان المجاهد الذي يحمل الأسرار محاصرًا في مكان ما فإنه لا يخلو من حالين:
1 -أن يكون هناك سبيل للفرار، أو المقاومة حتى النجاة أو القتل: فلا يجوز الانتحار، بل يجب عليه أن يقاوم، ويستفرغ وسعه وجهده في الفرار منهم أو حملهم على قتله.
2 -أن لا يكون هناك سبيل للفرار والمقاومة، ويغلب على ظنه أنه سيؤسر: ففي هذه الحالة إن غلب على ظنه أن العدو سيكرهه على إفشاء الأسرار كأن يكون قائدًا معروفًا فإنه يجوز له قتل نفسه، وإن غلب على ظنه أن العدو لا يعلم به أو لا يكرهه فلا يجوز له قتل نفسه، والله أعلم.
(1) المختار في حكم الانتحار خوف إفشاء الأسرار ص:69، العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي ص:115