وأما الأحاديث النبوية فقد جاء في هذا المعنى الكثير من الأحاديث، أذكر منها ما يلي:
1)عن عبد الله بن مسعود - قال: سألت رسول الله - قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها، قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. فسكت عن رسول الله - ولو استزدته لزادني. [1]
2)عن معاذ بن جبل - عن النبي - قال:"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد" [2] .
3)عن أبي أمامة [3] - أن رجلًا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة. قال النبي:"إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى" [4] .
ثانيًا) الجهاد بالمعنى العام:
الجهاد بالمعنى العام مفهوم واسع يقرب من المدلول اللغوي، وهو يشتمل على أنواع كثيرة من الطاعات"فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله" [5] .
وقد جاء هذا المعنى في بعض الآيات المكية التي نزلت قبل الإذن بالقتال، ومنها:
1)قوله تعالى في سورة الفرقان -وهي سورة مكية-: - فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) - [6]
قال الطبري:"جاهدهم بهذا القرآن جهادًا كبيرًا حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله ويدينوا به ويذعنوا للعمل بجميعه طوعًا وكرهًا، وبنحو الذي قلنا في قوله (وجاهدهم به) قال أهل التأويل ... وقال آخرون ... الإسلام" [7] .
وقال ابن كثير:"وجاهدهم به يعني بالقرآن، قاله ابن عباس" [8] .
وجه الاستدلال من الآية: إن التعبير بالجهاد بالقرآن من قبيل الجهاد العام الذي كان بمكة، خلافًا للجهاد بالسنان الذي شرع بالمدينة.
2)قوله تعالى: - وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) - [9]
قال البغوي [10] :"ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه له ثوابه، والجهاد هو الصبر على الشدة ويكون ذلك في الحرب وقد يكون على مخالفة النفس" [11] .
وقال القرطبي:"أي ومن جاهد في الدين وصبر على قتال الكفار وأعمال الطاعات" [12] .
وقال البيضاوي [13] :"ومن جاهد نفسه بالصبر على مضض الطاعة والكف عن"
(1) رواه البخاري في كتاب الأدب برقم (5625) ، ومسلم في كتاب الإيمان برقم (85)
(2) رواه أحمد 5/ 231، وابن ماجه في كتاب الفتن برقم (3973) ، والترمذي في كتاب الإيمان برقم (2616) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(3) أبو أمامة الباهلي (صحابي) : صُدَيّ -بالتصغير- بن عجلان بن الحارث، غلبت عليه كنيته، صاحب رسول الله - ونزيل حمص، روى علمًا كثيرًا، ت:86هـ، وقيل: 81هـ. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 736، سير أعلام النبلاء 3/ 359، الإصابة في تمييز الصحابة 3/ 420
(4) رواه أبو داود كتاب الجهاد (2486) ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود 2/ 92
(5) التاج والإكليل لمختصر خليل 4/ 536، ينظر في أنواع الجهاد أيضًا: الفروع 6/ 189، أحكام القرآن للجصاص 3/ 174
(6) [الفرقان: 52]
(7) تفسير الطبري 19/ 23
(8) تفسير ابن كثير 3/ 322
(9) [العنكبوت:6]
(10) البغوي: أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء الشافعي، الإمام الحافظ الفقيه المجتهد، يلقب بمحيي السنة وبركن الدين، وكان سيدًا إمامًا عالمًا علامة زاهدًا، له مؤلفات نافعة منها: تفسيره المسمى معالم التنزيل، وشرح السنة، والمصابيح، وغيرها، ت: 516هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ 4/ 1257، سير أعلام النبلاء 19/ 439، الأعلام 2/ 259
(11) تفسير البغوي 1/ 37
(12) تفسير القرطبي 13/ 327
(13) البيضاوي: أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، العلامة القاضي المفسر، ولي القضاء في شيراز ثم انتقل إلى تبريز، من مؤلفاته: تفسيره أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ومنهاج الوصول إلى علم الأصول، ت:685هـ ينظر: طبقات الشافعية الكبرى 8/ 157، طبقات الشافعية 2/ 172، الأعلام 4/ 110