وأجيب بأن الجمع بين الأدلة - على وجه صحيح - متى ما أمكن أولى من القول بالنسخ. وإذا حملنا معنى هذه الآية على أن لا يقاتَل إلا مَن قاتَل، فإن هذا لا يتنافى مع مشروعية قتال الكفار عامة لأن معنى الآية حينئذ: قاتِلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان ونحوهم. [1]
قال الطبري بعد أن ساق القولين في الآية:"وأولى هذين القولين بالصواب القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز: [أن ذلك في النساء والذرية ومن لم ينصب لك الحرب منهم] ، لأن دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكم والتحكم لا يعجز عنه أحد ..."
[إلى أن قال:] وأمرهم تعالى ذكره بقتال من كان منه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال من نسائهم وذراريهم ... فمعنى قوله (ولا تعتدوا) : لا تقتلوا وليدًا ولا امرأة ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابين والمجوس" [2] ."
ويدل على صحة هذا الترجيح في معنى الآية ما سيأتي بيانه من أحاديث النهي عن قتل المرأة ونحوها.
الدليل الثاني: عن رباح بن الربيع [3] - قال:"كنا مع رسول الله - في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلًا، فقال: انظر عَلامَ اجتمع هؤلاء. فجاء فقال: على امرأةٍ قتيلٍ. فقال: ما كانت هذه لتقاتِل") [4] (.
(1) أحكام القرآن لابن العربي 1/ 148، تفسير القرطبي 2/ 348
(2) تفسير الطبري 2/ 190
(3) رباح بن الربيع (صحابي) : رباح بن الربيع الأسدي، ويقال ابن ربيعة، وهو أخو حنظلة بن الربيع الكاتب، يعد في أهل المدينة ونزل البصرة. ينظر: الثقات 3/ 127، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 486، الإصابة في تمييز الصحابة 2/ 450
(4) رواه أبو داود في كتاب الجهاد برقم (2669) ، وابن ماجه في كتاب الجهاد برقم (2842) ، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/ 144: حسن صحيح