يُحِبُّالْمُعْتَدِينَ (190) - [1] .
فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (ولا تعتدوا) :"لا تقتلوا النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده فإن فعلتم هذا فقد اعتديتم" [2] .
وجه الاستدلال: أن الأمر بالقتال في الآية مقيد بمن كان من أهل القتال من الكفار، ونساءُ الكفار وأطفالُهم ليسوا ممن يقاتل في الأغلب، فلا يجوز قتلهم. [3]
الدليل الثاني: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وُجِدَت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله -، فنهى رسول الله - عن قتل النساء والصبيان" [4] ."
وجه الاستدلال: الحديث صريح في النهي عن قتل النساء والصبيان، فيكون هذا الحديث مخصصًا لعموم الأدلة الآمرة بقتل الكفار مطلقًا. [5]
الدليل الثالث: عن رباح بن الربيع - قال:"كنا مع رسول الله - في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلًا، فقال: انظر علام اجتمع هؤلاء. فجاء فقال: على امرأةٍ قتيلٍ. فقال: ما كانت هذه لتقاتِل. قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلًا فقال: قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفًا" [6] .
وجه الاستدلال: أن قوله: (ما كانت هذه لتقاتِل) يفيد أن علة القتل وهي إطاقة القتال منتفية عن المرأة فلا تقتل، ولهذا صرح بعده بالنهي عن قتل المرأة. [7]
الدليل الرابع: الإجماع: فقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على عدم جواز قتل النساء والصبيان.
قال ابن الهمام [8] :"وما الظنّ إلا أن حرمة قتل النساء والصبيان إجماع" [9] .
وقال ابن عبد البر [10] - بعد أن ساق حديث النهي عن قتل النساء والصبيان:"وأجمع العلماء على القول بجملة هذا الحديث، ولا يجوز عندهم قتل نساء الحربيين ولا أطفالهم" [11] .
وقال النووي - تعليقًا على حديث ابن عمر:"أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا" [12] .
(1) [البقرة: 190]
(2) رواه الطبري في تفسيره 2/ 190، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 325 كلاهما من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح الجهني عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
وهذا الأثر إسناده ضعيف لأمرين:
الأمر الأول: الانقطاع لأنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد مضى الكلام عليها في الصفحة 254
الأمر الثاني: فيه عبد الله بن صالح الجهني المصري كاتب الليث:"صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة"كما في تقريب التهذيب 1/ 308
وينظر في ترجمته: الكامل في الضعفاء 4/ 206، تهذيب الكمال 15/ 98، ميزان الاعتدال 4/ 121
(3) التمهيد 16/ 138
(4) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير برقم (3015) واللفظ له، ومسلم في كتاب الجهاد والسير برقم (1744)
(5) فتح الباري 6/ 148
(6) تقدم تخريجه ص: 282 من هذا البحث
(7) المغني 9/ 249
(8) ابن الهمام: كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام، إمام من علماء الحنفية عارف بأصول الدين والتفسير والفقه والمنطق، ومن مؤلفاته: فتح القدير في شرح الهداية، التحرير في أصول الفقه، ت:861هـ.
ينظر: شذرات الذهب 7/ 289، الأعلام 6/ 255
(9) فتح القدير 5/ 453
(10) ابن عبد البر: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، الإمام شيخ الإسلام حافظ المغرب، ساد أهل زمانه في الحفظ والإتقان، له مصنفات جليلة، منها: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، والاستذكار، والاستيعاب في معرفة الأصحاب، وغيرها، ت:463هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ 3/ 1128، طبقات الحفاظ 1/ 431، الأعلام 8/ 240
(11) التمهيد 16/ 138
(12) شرح صحيح مسلم للنووي 12/ 48