إذًا: هل أخذ الشريعة بعكسها أم جاء من أصلها؟ أخذها بعكسها، فالواجب على طالب العلم أن يبدأ بالكليات حتى من جهة الحفظ والدراسة، فقد تقدم أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بعلم المتون، وعليه أن يبدأ بالكليات، فما هي الكليات؟ هي الأحاديث الكلية التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيبدأ مثلًا: بالقرآن وهو الأصل الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم، ويقسمه إلى ثلاثة أقسام: عقيدة وأحكام حلال وحرام، ثم قصص، والقرآن في ذلك أصله أغلبي، فهو عام غائي، يعني: أنه يهتم بالغايات لا يهتم بالتفاصيل والجزئيات، ولهذا لا تجد في القرآن عدد الركعات، والصلوات الخمس وإنما تجد وجوب الصلاة، وما يتعلق بمواقيتها، كذلك بالنسبة للزكاة، جاء بالأمر بالزكاة وكذلك أيضًا مسائل الحول، ولكنه ما جاء بمقادير الزكاة والأموال التي يجب فيها من أمور النصاب وغير ذلك، وكذلك أيضًا فيما يتعلق بمسائل الصوم، ومسائل الحج، وجزئيات هذه المسائل. فإذا بدأ بالأخذ بالكليات حتى يصل إلى فرعيات كل مسألة، فإنها تعظم لديه الشريعة ويتهيبها، هذا من جهة القرآن، أما من جهة السنة فيبدأ بالأحاديث الكلية، وثمة رسالة لابن عساكر رحمه الله، وهي في الأحاديث الكلية، جمع فيها الأحاديث الكلية في نحو ستة وعشرين حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد عليه الإمام النووي رحمه الله فأكملها، فسماها الأربعين النووية، فيعتني بها؛ لأنها اعتنت بمجموع ومجمل الأحكام، ولهذا هذه الأحاديث لا تجد فيها التفاصيل، فلا تجد فيها مثلًا ما يتعلق بأحاديث صفة الصلاة، أو بصفة الصيام، أو صفة الزكاة وغير ذلك، لا تجد فيها شيئًا من هذا، وإنما تعتني بالعام.