قال رحمه الله: [وما روى كل قرين عن أخهمدبج فاعرفه حقًا وانتخه] المدبج: اسم مفعول من دبج يدبج وهو التحسين، وتسمى الديباجة ديباجةً من حسنها، دبج فلان كذا إذا حسنه، وإنما وصف هذا بالتحسين؛ لرواية الأقران عن بعضهم، فيروي القرين عن قرينه، فالأصل أن الشيخ الكبير يروي عنه التلميذ الصغير، التلميذ الصغير يروي عن الشيخ الكبير، هذا من جهة الأصل، أما رواية الأقران عن بعضهم، فيروي السنين عن سنينه، والشيخ عن شيخ آخر، أو يروي التلميذ عن التلميذ، فهذه رواية الأقران، أو يروي الزوج عن زوجه كرواية بعض الرواة، يقول: حدثتني زوجي فلان، أو تروي الزوجة عن زوجها، هذا الأصل فيه أنه داخل في وصف الأقران؛ وإنما اعتنى العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذا -في رواية الأقران- حتى لا يظن الناظر في ذلك أن ثمة في الرواية وهم أو تصحيف في الاسم، وأن الأصل في ذلك أن الرواة يحرصون على الإسناد العالي، وهو أن يروي الصغير عن الكبير، فلا يروي الصغير عن صغير مثله ليصل إلى الكبير، فإذا كان الكبير موجودًا فلا يحتاج إلى الرواية عن شخص صغير. ولكن يحتاج الأقران لبعضهم؛ لأن بعض الأقران يوفقون لأخذ الحديث عن شيخ لم يدركه ذاك؛ لانشغاله بشيء آخر، فيأخذ هذا من هذا، وهذا ما فاته من ذاك الشيخ من تلميذه، فيصبح هذا من حديث الأقران، ويسميه العلماء بالمدبج، ولهذا قال: (وما روى كل قرين عن أخه) ، يروي الأقران بعضهم عن بعض وسماهم إخوة، وما سمى تلميذ عن شيخه، أو ما سمى الأبناء عن الآباء فهو مدبج عندهم. وإنما اعتنى العلماء عليهم رحمة الله بهذا النوع ضبطًا له حتى لا يدخل في حسبان الناقد أو الناظر احتمال الوهم أو الخطأ أو التصحيف، أو بحث عن اسم آخر يشارك في هذا عند التضاد، فإذا عرفت هذه الرواية رواية الأقران عن بعضهم، فإن هذا يدفع جانب أو احتمال الإشكال أو يضعفه.