وأصح الأحاديث الغريبة من جهة المعنى وكذلك من جهة الإسناد هي الغرابة الحجازية، وذلك في مفاريد أهل المدينة من جهة الإسناد، وكذلك أيضًا من جهة المعنى؛ والسبب في ذلك أنه معقل العلم، ومهبط الوحي، فالوحي نزل من هناك، فإذا لم يتفردوا بشيء هم فمن يتفرد؛ لأنهم هم محل العلم والرواية، وكلما بعد الناس عن معقل العلم فإن التفرد والغرابة أظهر في الرد؛ للبعد عن معقل الإسلام خاصة في المسائل العظيمة الجليلة القدر. ولهذا لا يتفردون ويخرجون عن الحجاز في هذا، ويكون حديثهم في ذلك صحيحًا في مسائل الصلاة أو الصيام أو الطهارة أو الحج، أو غير ذلك من المسائل الظاهرة، لكن قد يتفردون ببعض الأعمال، أو ببعض الفضائل التي ليست من الأصول ولا من أعلام المسائل، كتفردهم بالأخبار بأشراط الساعة، أو بأخبار المغازي، أو بالفتن، أو بفضائل البلدان، كأن يتفرد مثلًا أهل اليمن بحديث في فضل اليمن، أو يتفرد أهل الشام بحديث في فضل الشام ونحو ذلك، فهذا يقبله العلماء؛ لأنه لا يتعلق بالأحكام ولو تفردوا به، أو جاءوا بأحاديث الفتن؛ لأن الفتن لا يلزم منها عمل وتشريع، ولهذا يشددون في التشريع ما لا يشددون في غيره.
قال رحمه الله: [وكل ما لم يتصل بحالإسناده منقطع الأوصال] ذكر المصنف رحمه الله فيما تقدم المتصل، وذكر هنا المنقطع، وجعل المنقطع ما وجد فيه انقطاع في أي طبقة من طبقاته، وأنه يوصف بالانقطاع، وعند المتقدمين الانقطاع والإرسال بينهما تقارب، وذلك لتقاربهما اللغوي، وربما تجَّوز العلماء فوصفوا الحديث المنقطع اصطلاحًا وصفوه بالمرسل، ووصفوا المرسل اصطلاحًا بالمنقطع، وهذا يرد كثيرًا، وذلك لوجود الانقطاع في إسناده.