وهنا ذكر المنقطع، والأصل في المنقطع أنه من أقسام الضعيف، ولكن هذا ليس على إطلاقه، وإنما هو أغلبي، وقد تقدم معنا الإشارة إلى أن قواعد علوم الحديث إنما هي أغلبية وليست مطردة، وهذا في كل العلوم حتى في علم الحديث وعلم الفقه، وعلم العربية، وعلم التفسير، وغير ذلك، إنما هي أغلبية لا مطردة، وهذا بمجموعها. وقد يوجد الحديث ويكون منقطعًا وإسناده صحيح، كما يوجد المتصل ويكون ضعيفًا مع اتصاله وصحة رواته، والسبب في ذلك أن العلماء إنما ردوا الحديث المنقطع وجعلوه قسيمًا للضعيف لوجود جهالة فيه. إذًا: فالأصل في رد الحديث المنقطع هو الجهالة، والجهالة على ما تقدم على نوعين، جهالة عين وجهالة حال، وأشد أنواع الجهالة هي جهالة العين، فالانقطاع هو نوع من أنواع جهالة العين، وعلى هذا نقول: إن الأصل في الحديث المنقطع أنه مردود ما لم تنتفِ هذه الجهالة، وانتفاء هذه الجهالة يكون بحالين: الحالة الأولى: أن تنتفي عينًا وتعرف عينًا. والحالة الثانية: أن تنتفي عينًا وتعرف بلا عين. يعني: بلا تحديد، وإنما تعرف بالوصف بأنها ثقة أو نحو ذلك، وهذا مثاله ما يأتي من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عبد الله بن مسعود، أبو عبيدة لم يسمع من أبيه وهذا انقطاع، وجدت جهالة عين، ولكن أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود يروي عن أبيه بواسطة أهل بيت أبيه، وأهل بيت أبيه هم أزواج عبد الله بن مسعود والقريبون منه من أبنائه، وكذلك أيضًا من كبار مواليه وهم ثقات. ولهذا العلماء يقبلون رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، فهي جهالة عين من جهة الأصل، ولكنها زالت هذه الجهالة ولم تعرف عينًا، ولكنها عرفت وصفًا أنها ثقة، لكن لا نستطيع تحديدها؛ ولهذا يقبلونها، فتجد سائر الأئمة على قبول أمثال هذه الرواية.