وعلى هذا فكلام الإمام أحمد رحمه الله في أن المتواتر ما تلقته الأمة بالقبول معناه أن كل ما في البخاري ومسلم متواتر؛ لأن الأمة قد تلقته بالقبول، على هذا المعنى لا يدخل في دائرة المحدثين الذين يتكلمون في قواعد المصطلح، ولا يدخل أيضًا عند المتكلمين من أهل النظر والرأي من علماء الأصول، فذكر المصنف رحمه الله شيئًا من هذا التقسيم المتعلق بحديث الآحاد، وهو على ما تقدم معنا يقسم إلى عدة أقسام: أولها المشهور، ثم المستفيض، ثم العزيز، ثم الغريب.
يقول هنا: (عزيز مروي اثنين أو ثلاثة) ، وإنما سمي عزيزًا لعزة وجوده وندرته، وهو أن يروي الراوي عن اثنين من أول السند إلى منتهاه، وهذا العزيز المطلق، أما النسبي: فهو أن يوجد اثنين في أقل طبقة، وثم لا ينقص وإنما يزيد في بقية الطبقات، أو في بعضها فهو عزيز بالنسبة إلى طبقة، وقد يكون عزيزًا من وجه، ويكون غريبًا من وجه، يعني: عزيز في طبقة وغريب في طبقة، ومشهور ومستفيض في طبقة أخرى، وقد يكون الحديث الواحد نسبيًا في جميع الطبقات، فيقال: إنه غريب من جهة الصحابي، وعزيز من جهة التابعي، ومشهور ومستفيض بالنسبة لأتباع التابعين، ومتواتر بالنسبة لمن بعده، فيرويه جمع غفير، ولهذا كلما تأخر اتسعت الرواية وكثر الناس، وهذا أمر معروف في أبواب الرواية إلا أنه عكسي في باب الفقه والدراية، فنجد أن التابعين الفقهاء أكثر من أتباع التابعين، بخلاف الرواة، الرواة أتباع التابعين أكثر من التابعين. وذلك أن الرواة على قسمين: رواة أصحاب رواية، والنوع الثاني رواة أصحاب دراية، يعني: أصحاب فقه، وهناك رواة لهم فقه وليس لهم رواية، فلا يدخلون في دائرة الرواية، وكذلك أيضًا قواعد الحديث باعتبار أنهم لا شأن لهم في الإسناد وعلل المتون.