فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 128

تقدم معنا أنه في كلام بعض الأئمة الأوائل جعل الحديث على قسمين: حديث صحيح وحديث ضعيف، ولا يجعلون مرتبة وسطًا في ذلك، ويجعلون الضعيف على نوعين: ضعيف يحتج به وضعيف لا يحتج به، وهم يختلفون ويتباينون في ذلك، ويتوسع الفقهاء في هذا الباب، وذلك لضعف عنايتهم بأبواب العلل، فيتوسعون بالاحتجاج بالضعيف، فيخلطون بين الضعيف الذي يحتج به، وبين الضعيف الذي لا يحتج به، وكلما كان الفقيه بالسنة والحديث أقل دراية فإنه أكثر جسارة في الاحتجاج بالحدث الضعيف، ولهذا تمتلئ كتب الفقه بالاحتجاج بالحديث الضعيف في أبواب الأحكام، والأئمة عليهم رحمة الله يجمعون على عدم الاحتجاج بالحديث الضعيف في الأحكام، إلا في بعض الصور.

من هذه الصور الحديث الضعيف الذي يعتضد بغيره، فهو ضعيف في ذاته، لكنه صحيح لغيره، أو حسن لغيره، وهذا يحتجون به، وكذلك أيضًا الحديث الضعيف في أبواب الاحتياط، وذلك ككراهة التنزيه، فإن الإمام أحمد عليه رحمة الله ينزع هذا المنزع، وكذلك أيضًا بعض الأئمة في بعض المسائل كالشافعي رحمه الله فإنه يميل إلى الأخذ بالحديث الضعيف في أبواب الاحتياط. معنى أبواب الاحتياط: أي الفعل الذي يتضمن كراهة، وذلك أنه ليس بتعبد ولا ديانة، وإنما تروك واحتياط؛ وذلك أنه لا يكلف بالفعل ويؤخذ بالترك، فيأخذ بهذا في كثير من المسائل: ولو كان الحديث في ذلك ضعيف، وذلك كمسألة النهي عن المشي بخف واحدة، وغير ذلك من أمور التنزيه التي لا تصل إلى مرتبة التحريم، فإذا جاء في حديث ولم يكن ثمة شيء يحسم هذه المسألة من الأحاديث الصحيحة فإنه يأخذ بهذا، وهذا مسلك لكثير من الأئمة النقاد للعمل بالحديث الضعيف في أبواب الاحتياط وكذلك في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، فإنهم يقولون بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت