فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 128

الثانية: ومن هذه الطرق التي يميز بها أو يعرف بها المدرج: معرفة اللغة، والأسلوب النبوي، فإن طالب العلم إذا كان من أهل الملكة والحفظ والدراية والمعرفة بالأسلوب النبوي، يستطيع أن يميز بعض الألفاظ التي لا تناسب الأسلوب النبوي الرفيع، فإن الكلام ولو كان عربيًا هو أيضًا مراتب من جهة البيان والفصاحة، والاتساق، وهذا أيضًا يحتاج ملكة قوية في اللغة، والاعتياد في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثالثة: أن يعرف الإنسان التاريخ، فإن معرفته بالتاريخ لها أثر في ذلك، وذلك أنه إذا عرف أحوال النبي عليه الصلاة والسلام من جهة استعماله ومواضع نزوله وغير ذلك، يستطيع أن يميز أن هذه العبارة إنما أدخلها الراوي وليست في حديثه، مثال ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من حنطة، وصاعًا من شعير، وصاعًا من بر، وصاعًا من أرز) ، الأرز هنا لا يعرف في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ومن جهة التاريخ لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام ممن يأكل الرز، وكذلك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في صدرهم الأول. ولهذا نقول: إن هذه اللفظة مدرجة، هي من جهة المعنى صحيحة، أنه يدخل هذا في طعام الناس، لكن ليست لفظًا نبويًا؛ وذلك أن الأرز إنما عرفه متأخرو الصحابة في بعض الغزوات، فوجدوه ثم أصبح على سبيل التدرج قوتًا للناس، وإلا فإنهم كانوا يتقوتون بغيره، وذلك من الحنطة والتمر والإقط وغير ذلك مما يطعمونه من ذرة ونحوها، فالتاريخ له أثر بمعرفة الأشياء، هذا من جهة الطعام، وقد يكون مثلًا من جهة اللباس، الذي لم يكن مشهورًا لديهم، وكذا من جهة الأواني، الأواني هل كانت مستعملة لديهم أو ليست مستعملة؟ له أثر بمعرفة إدخال بعض الرواة بعض المعاني في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: إن هذا من المدرجات في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت