الأقوال عن الصحابة أقوى من الأفعال؛ وذلك لأن الأفعال يطرأ عليها من الخطأ والنسيان ما لا يطرأ على الأقوال؛ لأن الإنسان إذا تكلم في الدين بقول فإنه يستحضر قوله؛ لأنه يخاطب غيره، وإذا فعل فعلًا فإنه يفعل لنفسه، فيطرأ عليه الوهم والغلط، ولهذا لدى العلماء قاعدة: أن الاحتجاج يكون بالأقوال لا بالأفعال؛ لأن الأفعال يدخل فيها السهو والغلط، بخلاف الأقوال؛ فإن الأقوال متعدية والأفعال لازمة، فربما يصلي الإنسان ويفترش في غير موضع افتراش، ويتورك في غير موضع التورك مثلًا، ويقعي وهو لا يريد الإقعاء، يفعل ذلك لنفسه، لكنه إذا سئل عن مسألة ربما قرر شيئًا قد فعل خلافه، فيطرأ من الوهم والغلط على فعله ما لا يطرأ على قوله. وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله قاعدة فقال: كل يحتج بقوله لا بفعله إلا الله ورسوله، فإن النبي عليه الصلاة والسلام إذا فعل فعلًا يقال: إن هذا وحي، والله سبحانه وتعالى إذا قال قولًا أو فعل فعلًا يقال: إن هذا الفعل على الحقيقة، وهو الحق. أما الأئمة فيحتج بأقوالهم لا بأفعالهم، وهذه ثمة قرائن ترفع الفعل إلى مرتبة القول، وذلك في المحاكاة إذا سئل الإنسان فيقول: انظر إلى صلاتي، كما جاء عند النسائي في حديث نعيم بن المجمر عن أبي هريرة لما صلى بهم قال: (صليت بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، يعني: أني مستحضر ما فيها فاقتدوا بي، ولهذا إذا روي عن إمام من الصحابة أو غيرهم قول وفعل فيقدم قوله على فعله؛ لأن قوله أدق من الفعل، والوهم يطرأ منه على الفعل ما لا يطرأ على القول. كذلك أيضًا الأئمة الأربعة، إذا جاءت روايتان عن إمام منهم أنه مرة قال ومرة فعل، فيقدم قوله على الرواية التي يفعلها؛ لأنه ربما يطرأ على الفعل ما لا يطرأ على القول، وهذا أيضًا من وجوه الترجيح.