وهنا في قوله: (الإسقاط للشيخ وأن ينقل عمن فوقه بعن وأن) ، إنما ذكر الشيخ، ولم يذكر الشيخ وشيخ شيخه؛ لأنه يخرج من كونه تدليسًا لوضوحه وجلائه، ولا يستطيع الإنسان حينئذٍ أن يخفيه بعن وأن؛ لأنه واضح أنه لم يروِ عنه، ولهذا العلماء يقولون: إن التدليس ما يكون في ظاهره الاتصال وباطنه الانقطاع، وأما الانقطاع البيّن الذي يروي راوٍ عن راوٍ لم يدركه ولم يسمع منه، فهذا انقطاع عند العلماء عليهم رحمة الله، فلا يدخلونه في دائرة التدليس لوضوحه، فيسمى تدليسًا؛ لأنه يمكن ستره، وهذا لا يمكن ستره لوضوحه وجلائه، ولو كان كل إسقاط في ذلك هو تحديث الراوي عن غير شيخه لدخل في هذا سائر أنواع الانقطاع، فيدخل في هذا المرسل والمعضل والمعلق، ولكنهم يجعلون ذلك فيما قرب من جهة الزمن وخفي من جهة العلة، وباطنه انقطاع، فيسقط الراوي شيخه لضعفه، ويروي عن شيخ شيخه وظاهره أنه سمع منه، فربما أدركه زمانًا أو ساكنه مكانًا فكان في بلده، أو التقى معه ولو في موضع عارض في موسم حج أو نحو ذلك، أو في قتال في جهاد في غزوة أو نحو ذلك، فيحتمل أنه سمع منه ولم يسمع منه. يقول هنا: (ينقل عمن فوقه بعن وأن) ، يعني: عمن فوق الشيخ. نقول: إن أشد أنواع التدليس أن يروي الراوي عن شيخ أدركه، وسمع منه ما لم يسمعه منه، وإثبات هذا شاق؛ لأنه أدرك الشيخ وسمع منه، لكن هذه الرواية ما سمعها، فقال عن ولم يقل حدثنا، ويليه بعد ذلك أن يروي عن شيخ أدركه ولم يسمع منه شيئًا، فهذا أقرب إلى المعرفة من النوع الأول، وبعد ذلك أن يروي عن شيخ لم يدركه ولم يسمع منه، ويكون الخفاء في ذلك هو في تقارب أو ضعف الزمن الذي بينهما، ويشتد في ذلك الأمر إذا جهل وفاة شيخ، وجهل مولد التلميذ، فهذا يوقع في شيء من الإشكال، وخفي كذلك العمر، فلا يعرف عمره حتى يضبط ذلك، فإنه إذا عرف العمر، وعرف أحد الأمرين الميلاد أو الوفاة، فإنه يعرف الباقي منهما للزومه.