فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 497

ضابط يميز الكبائر من الصغائر، وقد سلك العلماء في بيان هذا الضابط طريقين [1] :

الأول: طريق العد: فقال بعضهم: هي ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: سبع، وقيل: عشر، وقيل: أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: هي ما ورد النهي عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها [2] .

وغالب هذه الأقوال يستدل بما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث التي فيها ذكر لبعض الكبائر، لكن أجيب عن هذه الأحاديث بأن المراد بها ذكر بعض ما يحتاج إليه وقت البيان، ولم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - حصر الكبائر في هذه المذكورات [3] .

الثاني: طريق الحد: وقد اختلفوا في حد الكبائر على أقوال كثيرة، منها ما يلي:

ورد عن ابن عباس -رضى الله عنهما- أنه قال: «الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب» [4] .

••المناقشة:

نوقش من وجهين:

الأول: أن بعض الكبائر لم يرد فيها هذا الوعيد، بل ورد فيها ألفاظ أخرى تدل على الوعيد، غير ما ذكر، مثل قوله في بعض الأحاديث:"ليس منا [5] ".

الثاني: أن بعض الكبائر لم يرد فيها -بالنص عليها- وعيد، ولا حد، ولا لعن، ومن أمثلة ذلك ما ذكره في قواعد الأحكام، قال [6] :"فمن شتم الرب، أو الرسول، أو استهان بالرسل، أو كذب واحدا منهم، أو ضمخ الكعبة بالعذرة، أو ألقى المصحف في القاذورات؛ فهذا من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة. وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو مسلما لمن يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر. وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته ويسبون حرمهم وأطفالهم، ويغتنمون أموالهم، ويزنون بنسائهم، ويخربون ديارهم، فإن تسببه إلى هذه المفاسد أعظم من توليته يوم الزحف بغير عذر مع كونه من الكبائر، وكذلك لو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه يقتل بسببه، ولو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه تؤخذ منه تمرة بسبب كذبه لم يكن ذلك من الكبائر".

القول الثاني: هي ما أوعد الله عليه بنار أوحدٍّ في الدنيا [7] .

ويناقش بما نوقش به القول الأول.

(1) نقل في الزواجر (1/ 11) عن الواحدي أنه قال:"الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله عز وجل أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظائره إخفاء الصلاة الوسطى، وليلة القدر، وساعة الإجابة، ونحو ذلك". قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: (5/ 137) :"ومن قال إنها [أي الكبائر] مبهمة وغير معلومة فإنما أخبر عن نفسه أنه لا يعلمها".

(2) انظر في أدلة هذه الأقوال، وفي نسبة كل قول: تفسير الطبري: (5/ 36،37،38) ، والزواجر: (1/ 14) .

(3) انظر: الزواجر: (1/ 14) .

(4) أخرجه الطبري في تفسيره: (5/ 41) ، والبيهقي في شعب الإيمان: (1/ 271) .

(5) كحديث: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» أخرجه البخاري في المناقب، باب: ما ينهى من دعوى الجاهلية، (3/ 1297) حديث رقم: (3331) ، ومسلم في الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، (1/ 99) رقم: (103) .

(6) قواعد الأحكام، لابن عبدالسلام: (1/ 23) .

(7) انظر: شرح النووي على مسلم: (2/ 85) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت