فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 497

القول الثالث: هي كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة [1] .

ونوقش: بأن هذا يدخل فيه صغائر الخسة، وليست بكبائر [2] .

القول الرابع: هي كل ذنب عظم عظمًا يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة، ويوصف بكونه عظيمًا على الإطلاق، ولها علامات: منها؛ إيجاب الحد، ومنها الإيعاد عليه بالعذاب بالنار، ونحوها في الكتاب أو السنة، ومنها وصف فاعلها بالفسق، ومنها اللعن [3] .

ويقال في بيان العلامات: أن يكون الذنب قد ورد فيه وعيد خاص في الدنيا، أو في الآخرة، وهو معنى قول القائل:"الصغيرة ما دون الحدين" [4] ، ومن الوعيد الخاص؛ كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة، ولا يشم رائحة الجنة، وقيل فيه: من فعله فليس منا، وأن صاحبه آثم، فهذه كلها من الكبائر [5] ، وكذلك كل ذنب ساوت مفسدته ما ورد فيه وعيد خاص، أو زادت عليه.

وهذا الضابط يجمع عامة ما ذكر في ضابط الكبائر، وهو أرجحها، وأصحها. [6]

المطلب الثاني

تقسيم المحرمات إلى متفق عليها ومختلف فيها

من مقاصد الشريعة العظيمة؛ أنها جاءت لمصلحة الدارين، وللدارين مصالح إذا تحققت سعد الإنسان وأفلح، وإن عدمت شقي وخسر، وجميع الطاعات يقصد بها جلب المصالح، والمحرمات يقصد بها درء المفاسد. وجلب المصالح، ودرء المفاسد؛ أمور ظنية، فما جاء مأمورًا به علمنا أنه من المصالح، وما جاء منهيًا عنه علمنا أنه من المفاسد، وما سكت عنه وقع فيه الاختلاف، فمن رأى أنه يساوي -ولو أدنى المحرمات- في المفسدة أفتى بتحريمه، ومن رأى أنه لا مفسدة فيه أفتى بحله وجوازه، ولكن هذا الاختلاف لا يجيز للإنسان أن يتبع ما يشتهي من مذاهب العلماء، يأخذ منها ما يشاء، ويترك ما يشاء، من غير نظر واعتبار للمقاصد الشرعية.

قال في مراتب الإجماع [7] :"واتفقوا على أنه لا يحل لمفتٍ ولا لقاض أن يحكم بما يشتهي .. وبما اشتهى، مما يخالف ذلك الحكم في أخرى مثلها، وإن كان كلا القولين مما قال به جماعة من العلماء، ما لم يكن ذلك لرجوع عن خطأ لاح له إلى صواب بان له".

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين [8] :"لا يجوز للمفتي أن يعمل بما يشاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح .. بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولًا قاله إمام، أو وجهًا ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه، والأقوال، حيث رأى القول وفق إرادته، وغرضه، عمل به، فإرادته وغرضه هو المعيار، وبها الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمة ... وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله"

(1) انظر: قواعد الأحكام، لابن عبدالسلام: (1/ 26) . والزواجر: (1/ 9) .

(2) انظر: الزواجر: (1/ 9) .

(3) انظر: نهاية الطالبين: 4/ 280).

(4) انظر: الفتاوى الكبرى، ابن تيمية: (5/ 130) .

(5) انظر: المرجع السابق.

(6) انظر: قواعد الأحكام: (1/ 23) . والفتاوى الكبرى، لابن تيمية: (5/ 130،131) .

(7) مراتب الإجماع، لابن حزم: (2/ 51) .

(8) إعلام الموقعين: (4/ 211) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت