المطلب الأول
بناء المساجد من المال الحرام
تواترت نصوص الشرع في الحث على عمارة المساجد، وإقامتها، كقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) } [1] .
وعن عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» [2] .
والأصل أن تبنى المساجد من أموال طيبة حلال، لا شبهة فيها؛ لأنَّ عمارة المساجد من أفضل القربات وأجل الطاعات، والمساجد بيوت اللَّه، وفيها تقام العبادة له سبحانه، وإذا كانت هذه حالها وهذه صفتها فهل يجوز لمن كانت عنده أموال محرمة، كالمال المكتسب من الربا أو القمار، أو البغاء أو السحر -ونحو ذلك- هل يجوز له أن يبنى بهذا المال مسجدًا، أو لا يجوز له ذلك، ويصرف أمواله في أمور أخرى؟.
وقد اتفق الفقهاء على أن المال المغصوب أو المسروق ونحوهما، مما له مالك خاص ويعلم مالكه، أن عليه أن يرده إلى مالكه ولا يجوز له التصرف بهذا المال، وتفويته على صاحبه، بأي صورة [3] ، أما إذا كان المالك مجهولًا، كمن عنده أموال
(1) سورة النور، آية رقم: (36 - 37) .
(2) أخرجه البخاري في الصَّلاة، باب: من بنى مسجدا، (1/ 172) رقم: (439) ، ومسلم في المساجد ومواضع الصَّلاة، باب: فضل بناء المساجد والحث عليها، (1/ 378) رقم: (533) .
(3) انظر: رد المحتار: (2/ 292) ، وحاشية الدسوقي: (3/ 277) ، والمجموع: (9/ 332) ، وكشاف القناع: (4/ 114) ، والمحلى: (9/ 154) ومجموع الفتاوى: (28/ 283) .