المطلب الثاني
أثر البول في نجاسة الماء
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على أن الماء الكثير المستبحر لا ينجس بمجرد البول فيه [1] ، واتفقوا أيضًا على أن الماء إذا تغير بالبول فهو نجس سواء كان قليلًا أو كثيرًا [2] ، واختلفوا فيما عدا ذلك من المياه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يجوز استعمال كل ما غلب على الظن وجود جزء من النجاسة فيه [3] .
وبه قال الحنفية [4] ، وقول في مذهب الحنابلة [5] .
القول الثاني: التفريق بين ما زاد عن القلتين [6] وما نقص عنهما، فما زاد عن القلتين لا ينجس إلا بالتغير، وما نقص عن القلتين ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه.
وبه قال الشافعية [7] ، وهوالمذهب عند الحنابلة [8] .
القول الثالث: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا.
وبه قال سعيد بن المسيب [9] ، والأوزاعي [10] [11] ، وهو قول المالكية [12] ، وقول في مذهب الحنابلة [13] ، واختاره ابن تيمية [14] ، وابن القيم [15] .
(1) انظر: بداية المجتهد، لابن رشد: (1/ 18) ، وشرح العمدة، لابن دقيق العيد: (1/ 126) .
(2) انظر: شرح معاني الآثار، للطحاوي: (1/ 12) ، وسنن البيهقي: (1/ 260) ، وشرح النووي على صحيح مسلم: (3/ 188) ، والإفصاح، لابن هبيرة: (1/ 13) .
(3) وقد اختلفوا في الماء الذي يغلب على الظن أن النجاسة تخلص إليه إذا وقعت فيه، فقيل هو: ما دون عشرة أذرع في عشرة أذرع، والعمق بحيث لا ينحسر في الاغتراف، وقيل: ثمان في ثمان، وقدره بعضهم باثني عشر في اثني عشر، وقدره بعضهم: بالحركة، أي: إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر، وذهب بعضهم إلى أن هذه التقديرات ليست للتحديد، وإنما للتمثيل، والمراد منها: بيان ما يغلب على الظن وجود جزء من النجاسة فيه.
انظر: أحكام القران، للجصاص: (5/ 204) ، والهداية، للمرغيناني: (1/ 18) ، وشرح فتح القدير: (1/ 77) .
(4) انظر: أحكام القرآن، للجصاص: (5/ 204) ، والهداية: (1/ 18) .
(5) انظر: المحرر: (1/ 2) ، والإنصاف: (1/ 59) ، وقيده بعض الحنابلة بألا يشق نزحه، فإن شق نزحه لم ينجس إلا بالتغير. انظر: المراجع السابقة.
(6) القلتان - عند أصحاب هذا القول - تساوي خمسمائة رطل عراقي -تقريبًا-، والرطل العراقي = 90 مثقالًا، والمثقال = 4،5 غرام، وعلى هذا فالرطل العراقي = 405 غرامًا، والقلتان بالغرامات = 202500، وبالكيلو: 202،5 تقريبًا.
انظر: المجموع: (1/ 179) ، وكشاف القناع: (1/ 43) ، ومعجم لغة الفقهاء: (ص/449) .
(7) انظر: روض الطالب: (1/ 47) ، وحاشية البجيرمي على الخطيب: (1/ 89) .
(8) انظر: الفروع: (1/ 57) ، والمبدع: (1/ 52) .
(9) هو: سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي، أبومحمد المدني، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وقيل لأربع، كان سيد التابعين، وأعلمهم بالحلال والحرام، مات سنة: (94 هـ) .
انظر: تهذيب الأسماء واللغات: (1/ 219) ، وسير أعلام النبلاء: (4/ 217) .
(10) هو: عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي، فقيه الشام، وإمام من أئمة المسلمين، ومحدث حجة، انتهت إليه رئاسة العلم في الشام في زمانه، مات سنة: (158 هـ) .
انظر: تهذيب الأسماء واللغات: (1/ 298) ، وسير إعلام النبلاء: (7/ 107) .
(11) انظر: التمهيد، لابن عبد البر: (1/ 328) ، وأحكام القرآن، للجصاص: (5/ 205) .
(12) انظر: التمهيد، لابن عبدالبر: (1/ 330) ، وحاشية الدسوقي: (1/ 48) .
(13) انظر: المحرر: (1/ 2) ، والمبدع: (1/ 52) .
(14) انظر: الفتاوى الكبرى، لابن تيمية: (1/ 422) .
(15) انظر: حاشية ابن القيم على السنن: (1/ 82) .