المبحث الثامن
التيمم بالتراب المحرَّم
أوجب اللَّه على عباده الطهارة لكل صلاة، والطهارة تكون بالماء عند وجوده، أو بالتراب عند عدمه، والأصل في التراب أن يكون طاهرًا حلالًا، ولكن من خالف وتيمم بتراب مغصوب فهل يرتفع حدثه أم لا؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن التيمم بالتراب المحرم لا يصح.
وهو وجه عند الشافعية [1] ، والمذهب عند الحنابلة [2] ، وبه قال ابن حزم [3] .
القول الثاني: أن تيممه صحيح.
وبه قال الحنفية [4] ، والمالكية [5] ، والمذهب عند الشافعية [6] ، ووجه في مذهب الحنابلة [7] .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
1 -قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [8] .
ووجه الدلالة من الآية: أن اللَّه وصف التراب المتيمم به بأنه طيب، والمراد بالطيب: الطاهر، الحلال، ومما يؤيد ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا» [9] ، فالمراد به هنا الحلال قطعًا، إذ هو الوصف المناسب لذكر المال، فيتبين بهذا أن قوله: «طيبًا» في الآية؛ المراد به الطاهر الحلال.
••المناقشة:
يناقش هذا الاستدلال: بالتسليم بأن كلمة: «طيب» قد تأتي بمعنى"حلال"، ولكن نمنع أن يكون المراد بها في الآية الحلال، وذلك لأنَّ سياق الآية يمنع ذلك، فسياقها في الطهارات، فوجب أن يكون المراد بالطيب الطاهر، لأنَّ المناسب للسياق التطهر، بخلاف الحديث فسياقه في الإنفاق، والإنفاق يناسبه"الحلال"لا الطاهر" [10] ."
2 -حديث أَبِي بَكْرَةَ [11] - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ في حجة
(1) انظر: المنثور في القواعد، للزركشي: (2/ 165) ، والأشباه والنظائر، للسيوطي: (ص 139) .
(2) انظر: الفروع: (1/ 223) ، وكشاف القناع: (1/ 172) .
(3) انظر: المحلى: (/353) .
(4) انظر: الجوهرة النيرة: (1/ 46) ، وحاشية ابن عابدين: (1/ 341) .
(5) انظر: مواهب الجليل: (1/ 326) ، والتاج والإكليل: (1/ 469) .
(6) انظر: المجموع: (1/ 307) ، وأسنى المطالب: (1/ 72) .
(7) انظر: القواعد والفوائد الأصولية، لابن اللحام: (1/ 117) .
(8) سورة النساء، آية رقم: (43) .
(9) سبق تخريجه ص/.
(10) انظر: الذخيرة: (1/ 348) .
(11) هو: أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو الثقفي، صحابي جليل، مشهور بكنيته، أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها، سنة: (51 هـ) ، وقيل: (52 هـ) .
انظر: طبقات خليفة: (ص/54) ، ومعجم الصحابة، لابن قانع: (3/ 142) .