قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) } النساء. قال: قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} الفاحشة الزنا {فاستشهدوا عليهنَّ أربعة منكم} الخطاب للأزواج, أي اطلبوا ممن قذفهنَّ أن يأتي بأربعة شهداء، وقيل: الخطاب للحكام أي فاسمعوا شهادة أربعة عليهنَّ {فأمسكوهنَّ في البيوت} قيل: معناه فاجلدوهنَّ في البيوت محبوسات, وكان ذلك في أول الإِسلام, ثم نسخ بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} النور: 2 فلم يبق إلا الجلد للبكر, والرجم للمحصنة, ويجوز أن يكون غير منسوخة بأن يترك ذكر الجلد؛ لأن ذلك معلوم في الكتاب والسنَّة، ويريد إمساكهن في البُيوت بعد الحد صيانةً لهنَّ عن مثل ما جرى عليهن, بسبب الخروج والتعرض للرجال [1] .
2 -أحيانا يذهب إلى القول بإحكام الآية وعدم نسخها.
من ذلك ماذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) } الأنفال. قال: قيل: الصلح، وترك الحرب، وقيل: إلى الإسلام، والآية منسوخة بقوله اقتلوا المشركين، وقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} وكان ذلك قبل نزول براءة، وقيل: الأمر موقوف على ما يراه الإِمام من صلاح الإِسلام. وهو الصحيح [2] .
فبعد أن ذكر أن الآية منسوخة بآية السيف. رجح الرأي القائل بأن الأمر موكول إلى الحاكم وموقوف عليه, إن شاء جنح ومال للسلم, وإن شاء لجأ إلى السيف, فهو يرى بأن الآية غير منسوخة, وهذا مفهوم من قوله, وهو الصحيح.
وعند قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) } النور. يذكر لنا أقوال بعض التابعين في ذهابهم إلى القول بعدم نسخ الآية, فيقول: وعن الشعبي: أنها ليست
(1) التفسير: ص 102.
(2) التفسير: ص 235.