قال الزجاج: وفي هذه الآية دليل على أن الله عز و جل يرى في الآخرة, ولولا ذلك لما كان في هذه الآية فائدة, ولا خسست منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن الله عزوجل.
وقال تعالى في المؤمنين: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } القيامة. فأعلم الله عزوجل أن المؤمنين ينظرون إلى الله, و أن الكفار يحجبون عنه [1] .
وقال مالك بن أنس لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه وقال الشافعي لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضى [2] .
وعند قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } القيامة. لم يظهر رأي الشيخ بشكل واضح من هذه المسألة فقد اكتفى بذكر الأقوال ولم يبين لنا رأيه, حيث قال: {إلى ربها ناظرة} فيه وجهان: أحدهما أن المراد نظر العين، وثانيها أن المراد الانتظار، فمن حمله على الانتظار قيل: تنتظر الثواب من ربها، روي ذلك عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) والحسن، وقيل: إلى بمعنى النعمة أي نعم ربها منتظرة، أي قطعوا أطماعهم عن كل شيء سوى الله، قال الشاعر:
وجوه ناظرات يوم بدرٍ ... إلى الرحمان يأتي بالخلاصِ.
فأما من قال يحمل على نظر العين قيل: إلى ثواب ربها ناظرة أي منتظرة إلى ما أعطاها الله في الجنة من النعم حالًا بعد حال, وروي ذلك عن جماعة من المفسرين فذكر نفسه وأراد ثوابه, قال القاضي: والأول أولى [3] .
فالظاهر أن الشيخ في هذا الموضع لم يذكر لنا رأيه, وإنما اكتفى بسرد وذكر الأقوال في هذه المسألة.
قال الراغب وقال بعضهم في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } القيامة. إن معناه: إلى نعمة ربها منتظرة، وفي هذا تعسف من حيث البلاغة [4] .
قلت: وهذا قول المعتزلة قدروا ذلك؛ لأنهم ينفون رؤية الله.
قال ابن حزم: وحمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة فرض لا يجوز تعديه إلا بنص أو إجماع [5] .
(1) "معاني القرآن وإعرابه":ج 5 ص 299.
(2) انظر"زاد المسير في علم التفسير": ج 9 ص 56.
(3) التفسير: ص 774.
(4) "المفردات في غريب القرآن"ص 32.
(5) ابن حزم: علي بن أحمد بن سعيد أبو محمد,"الفصل في الملل والأهواء والنحل", مكتبة الخانجي القاهرة, ج 3 ص 3.