فبعد أن عرف الشيخ الإيلاء بأنه كل يمين يمتنع به الزوج عن وطء زوجته, مدة تزيد عن أربعة أشهر, وهذا هو التعريف الذي ارتضاه عامة الفقهاء, رجح قول الإمام علي وابن عباس رضي الله عنهما, وهو أن الإيلاء الامتناع من الجماع على جهتي الغضب والضرار قال: وهو الظاهر [1] .
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الإيلاء يصح في حال الرضا والغضب، فلا يشترط في الإيلاء كونه في حال الغضب، ولا قصد الإضرار، لعموم آية الإيلاء، ولأن الإيلاء كالطلاق والظهار وسائر الأيمان، سواء في الغضب والرضا، ولأن حكم اليمين في الكفارة وغيرها سواء في الغضب والرضا، فكذلك في الإيلاء [2] .
ومن الأمثلة التي لم يرجح فيها الشيخ قولا على قول, ما ذكره عند قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) } البقرة.
قال الشيخ: قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} قيل: نزلت في عبد الله بن رواحة الأنصاري, حلف أن لا يدخل على أخيه بشرا, لشيء بينهما, ولا يصلح بينه وبين خصم له, وكان يقول حلفتُ بالله فلا أفعل, فنزلت الآية, وقيل: نزلت في أبي بكر حين حلف أن لا ينفق على مسطح بن أثاثة, حين خاض في الإفك [3] . أي لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع من البر والتقوى, وقيل: لا تجعلوا اليمين عذرًا وعلةً وتقولوا حلفنا بالله ولم تحلفوا {أن تبروا} بمعنى أن لا تبروا فحذف, قال امرؤ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي [4] .
وقيل: هو من البر؛ يعني ينهاكم عن كثرة الأيمان لما في توقي ذلك من البر والتقوى والإصلاح, واتقوا الآثام في الإيمان {وتصلحوا بين الناس} يعني إذا عرفتم بقلة الأيمان تصلحوا بقولكم.
(1) التفسير: ص 49.
(2) الزحيلي: وهبة,"الفقه الإسلامي وأدلته", دار الفكر, دمشق الطبعة الرابعة, 1418 هـ/1997 م, ج 9 ص 7080
(3) انظر"العجاب في بيان الأسباب", ج 1 ص 576.
(4) "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية"ج 6 ص 401.