قال الإمام البغوي [1] : واختلفوا في صفتها فروى خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها نزلت خبزا ولحما، وقيل لهم: إنها مقيمة لكم ما لم تخونوا وتخبئوا فما مضى يومهم حتى خانوا وخبأوا فمسخوا قردة وخنازير [2] .
قال الدكتور أبو شهبة بعد أن ذكر الرواية الطويلة, التي أوردها ابن أبي حاتم في تفسيره, المتعلقة بشأن المائدة. قال: ومن هذه الروايات الغريبة دخل البلاء على الإسلام والمسلمين؛ لأن غالبها لا يصح, ولذا قال الإمام الجليل أحمد بن حنبل:"لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير, وعامتها عن الضعفاء" [3] .
قلت: ونزول المائدة ثابت بالقرآن الكريم لقوله تعالى {إني منزلها عليكم} , وأما الذي اختلف المفسرون حوله من بيان صفتها, وكيفية نزولها ووقت النزول, ونوع الطعام الذي نزل, إلى غير ذلك من الأمور, فهذا كله مما ينبغي أن تنزه كتب التفسير عنه؛ لأن الجهل به أوعدم العلم به لا يضر, ويكفينا أن نأخذ من قصص الأمم السابقة العبر والدروس, وألا نشدد فيشدد الله علينا [4] .
وبعد هذا البيان لبعض الأمثلة, الدالة على منهج الشيخ في عرض الإسرائيليات والقصص القرآني, أستطيع القول بأن الشيخ لم يلتزم الصحيح المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسلم كما لم يسلم غيره من المفسرين من الوقوع في الدخيل, وكان حريا به رحمه الله, ان يجنب تفسيره من ذلك تماما, ليكون صافيا ونقيا من كل دسائس الزنادقة وأعداء الإسلام.
(1) "معالم التنزيل": ج 2 ص 326
(2) قال الإمام الترمذي: هذا حديث غريب قد رواه أبو عاصم, وغير واحد عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن خلاس, عن عمار بن ياسر موقوفا, ولا نعرفه إلا من حديث الحسن بن قزعة. انظر"سنن الترمذي"باب ومن سورة المائدة, ج 5 ص 110,برقم 3061.
(3) أبو شهبة: محمد بن محمد"الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير", ص 194.
(4) وقد ضعف الإمام القرطبي هذا الحديث بعد أن ساق القصة بطولها فقال:"في هذا الحديث مقال ولا يصح من قبل إسناده ... والمقطوع به أنها نزلت وكان عليها طعام يؤكل والله أعلم بتعيينه". انظر"الجامع لأحكام القرآن",ج 8 ص 297, وانظر"الإسرائيليات والموضوعات", ص 195.