إن أصح الطرق, وأحسنها في تفسير القرآن الكريم, أن يفسر القرآن بالقرآن, فما أجمل في مكان, فإنه قد فسر في موضع آخر. وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر.) [1]
وإنما كان تفسير القرآن بالقرآن أصح الطرق في التفسير؛ لأن فيه من التوثيق والصحة ما لا يوجد في غيره, فلا يحتاج فيه إلى تصحيح أو تضعيف.
وهذا النوع أعني تفسير القرآن بالقرآن لا يتأتى ولا يحصل إلا لمن كان عنده فهم ثاقب, ورؤية فاحصة في كتاب الله عزوجل, فيستطيع حينذاك مقابلة الآيات القرآنية بعضها على بعض, لتكون له عونا على فهم ماجاء مطلقا وعاما ومجملا, فهو أثناء هذه العملية يعرف ويدرك أن هذه الآية عامة خصصتها الآية, وأن تلك الآية مطلقة قيدتها الآية الأخرى في الموضع الآخر, وهكذا.
ولقد أدرك الشيخ العلاقة والصلة التي تربط الآيات بعضها ببعض, فنظر إليها في ظل وفي ضوء نظائرها لتعينه على الوصول إلى المعنى المنشود, ومن الأمثلة التي توضح ماذكرته:
1 -عند قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) } الأنعام.
قال: {وما لكم} أي ما الذي يمنعكم, {ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} عند الذبح, {وقد فصل لكم ماحرم عليكم} أي بين, قيل: هو ماذكره تعالى في سورة المائدة في قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} إلى آخرها. [2]
قال الشيخ الشنقيطي معلقا على الآية: التحقيق أنه فصله لهم بقوله {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) }
(2) التفسير: ص 184.