السنة هي المصدر الثاني الذي يتعين المصير إليه, ويعول عليه بعد القرآن الكريم في فهمه, فهي شارحة للقرآن الكريم ومبينة له, وقد نص القرآن الكريم صراحة على أن دور النبي - صلى الله عليه وسلم - ووظيفته إنما هي البيان قال تعالى {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) } النحل.
وقال عز من قائل: مخاطبا نبيه - صلى الله عليه وسلم - {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) القيامة. قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى ثم إن علينا بيانه} أي: بعد حفظه, وتلاوته نبينه لك ونوضحه, ونلهمك معناه على ماأردنا وشرعنا. [1] فالمطلوب من النبي - صلى الله عليه وسلم - إذن تبيين ماجاء في القرآن الكريم وتوضيحه للناس.
وكان الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعا, إذا أشكل عليهم فهم آية يسارعون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليزيل لهم ذلك الإشكال. روى الإمام مسلم في صحيحه في باب صدق الإيمان وإخلاصه قال: حدثنا عبد الله بن إدريس, وأبو معاوية ووكيع الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} الأنعام/82. شق ذلك على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا أينا لا يظلم نفسه؟. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه {يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} [2] لقمان/13,فأنى للصحابة الكرام أن يعرفوا هذا المعنى لولا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ظهرانيهم, ولك أن تعجب بعد كل الذي ذكرنا قول أولئك الذين يزعمون أن القرآن الكريم وحده كاف, ويمكن الاستغناء به عن السنة, وقد كذبوا وخابوا وخسروا, فهم مافهموا القرآن ولو فهموا القرآن الكريم على الوجه الحق ماكان هذا باعثا على قول ما قالوا؛ لأن في القرآن مايدل على وجوب اتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - , وكيف يتوقف عن الأخذ بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقا من يأخذ بالكتاب المنزل عليه وهو يتلو
(1) ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي،"تفسير القرآن العظيم"، تحقيق سامي بن محمد سلامة دار طيبة للنشر والتوزيع, الطبعة الثانية 1420 هـ/1999 م, ج 8 ص 278
(2) النيسابوري: مسلم بن الحجاج, أبو الحسين القشيري,"صحيح مسلم", تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي, دار إحياء التراث العربي, بيروت, باب صدق الإيمان, وإخلاصه ج 1 ص 114 برقم 124.