منكم ويذرون أزواجا [البقرة: 234] نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها. قال يابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه [1] .
وفي إنكاره لمنسوخ التلاوة مع الحكم أو وحده يقول الشيخ محمد رشيد رضا:"أما نسخ لفظ الآية مع بقاء حكمها, أو نسخ لفظها وحكمها معًا, فمما لا يجب علينا اعتقاده, وإن قال به القائلون ورواه الراوون، وقد علله القائلون به, والتمسوا له من الحكمة ما هو أضعف من القول به, وأبعد عن المعقول."
واعلم أن القرآن كلام الله المنزل على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو أصل الدين وأساسه, أحكمت آياته, فلا تفاوت فيها, ولا اختلاف ولا تناقض ولا تعارض, وما ذكروه من الجمل التي قالوا إنها كانت من القرآن ونسخ لفظها لا تضاهي أسلوب القرآن, ولا تحاكيه في بلاغته, والتصديق بذلك مدعاة لتشكيك الملحدين في القرآن.
وقد ثبت أن بعض الزنادقة كانوا في زمن الرواية وتلقي الحديث من الرجال, يلبسون لباس الصالحين ويضعون الحديث, وكان يروج على الناس لاستيفائهم شروط الرواة الظاهرة من العدالة وحسن الحفظ وغير ذلك, حتى إن بعضهم تاب ورجع عما كان وضعه ولولا اعترافه به لم يعرف, فما يدرينا أن بعضهم مات ولم يتب ولم تعرف حقيقة حاله, وبقي ما وضعه رائجًا مقبولًا لم يطعن في سنده أهل النقد.
لأجل هذا لا يعتمد على الحديث إلا إذا كان مع صحة سنده موافقًا لأصول الدين الثابتة بالقطع, ولغير ذلك من الحقائق القطعية؛ ككون الشمس لا تغيب عن الأرض كلها عندما تغيب عنا كل يوم, وإنما تغيب عنا وتشرق على غيرنا, إلا إذا أمكن الجمع, ولا يؤخذ بأحاديث الآحاد الصحيحة السند في العقائد؛ لأنها ظنية باتفاق العلماء والعقلاء والله تعالى يقول: {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} [2] النجم:28.
وأنا أوافق الشيخ على ماذهب إليه من إنكاره لمنسوخ التلاوة وبقاء الحكم, أومنسوخهما معا, لكني لست معه في كون الأحاديث الآحاد صحيحة السند لا يؤخذ بها في العقائد, ولا تصلح دليلا على ذلك, وإن كانت مسألة خلافية بين العلماء,
(1) ابن عاشور: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر,"التحرير والتنوير", مؤسسة التاريخ العربي, بيروت الطبعة الأولى 1420 هـ/2000 م, ج 1 ص 645.
(2) رضا: محمد رشيد,"مجلة المنار", مجلة شهرية تبحث في فلسفة الدين وشؤون الاجتماع والعمران, مصر, إدارة مجلة المنار, الطبعة الثانية 1327 هـ, ج 7 ص 612.