وانطلاقا من هذه المسلمة يمكن القول بثقة ويقين أن التوظيف القرآني للعناصر اللغوية هو أفضل توظيف، وأصلح استعمال، وذلك على جميع المستويات اللغوية المتعددة: صوتيا وصرفيا ونحويا ودلاليا وبلاغيا.
وقد كانت - ولازالت- جهود العلماء والباحثين تسعى إلى الكشف عن أسرار هذا التوظيف الراقي، وخصائص هذا الاستعمال البليغ، وعلى الرغم من كثرة هذه الجهود وتضافرها في تبيان أسرار الإعجاز القرآني ومظاهره وأوجه بلاغته، إلا أنها تبقى غيضا من فيض، باعتبار القرآن لا تنقضي عجائبه ولا تنفد خزائنه، مما يبقي المجال مفتوحا للبحث في هذه المواضيع والخوض في هذه المسائل.
وانطلاقا من دقة التوظيف القرآني، وبالتدقيق على المستوى الصوتي، يبقى السامع مندهشا وحائرا أمام ذلك التلاؤم الصوتي والتناغم الموسيقي، والإيقاع العذب والمتسلسل للأحرف المنسابة داخل الأذن، ويحس بعظمة رهيبة داخل هذه المنظومة الصوتية التي تخترق سمعه، ويجد نفسه عاجزا عن استكناه سر ذلك التناغم، وسبب ذلك الجمال والروعة، و الحقيقة أن معرفة أسرار القرآن على جميع المستويات، وبالأخص المستوى الصوتي، لا يكون بالتذوق والاستيحاء، و محاولة الإلمام بالجوانب الجمالية، والمميزات الخصوصية لهذا المستوى أو ذاك، بقدر ما يكون بالدراسة العلمية الجادة والموضوعية، والتي تقوم على أسس واضحة و معالم بينة، داخل أطر جلية، و من هنا حاولنا أن يكون بحثنا على هذا المستوى-أي المستوى الصوتي- و داخل هذا الإطار.
ولعل أهم ما لفت انتباهنا في القرآن الكريم، و خاصة على المستوى الصوتي، كموضوع يمكن أن يكون مجالا للبحث: هو الاستعمال القرآني للأحرف العربية، حيث كان حرف الظاء قليل الحظ في الاستعمال و التوظيف، وقد كانت قلته ملحوظة ومثيرة خاصة على مستوى توزعه على أسماء السور وفواتحها وخواتمها وفواصلها، باعتبارها أهم مميزات السورة القرآنية، إضافة إلى قلة الجذور المعجمية التي دخل الظاء في تشكيلها، وقلة الحقول الدلالية، وليس خافيا ما يتميز به الظاء عن باقي الحروف العربية من صفات ومميزات جعلته في اللغة العربية ككل وفي القرآن خاصة، حرفا مميزا وفريدا كالدرة بين باقي الجواهر، ولعل هذه القلة في الاستعمال هي التي جعلته حرفا قابلا للتناول بالبحث والدراسة، والإحاطة بجميع جزئيات هذه الدراسة.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأن البحث سيقوم على إضاءة بعض النقاط الخفية في التوظيف القرآني لحرف الظاء، وأهمها:
-ماهي أبعاد التوظيف القليل لحرف الظاء؟