تمهيد:
يطلق التفاضل في اللغة العربية ويراد به التمايز في الفضل بين شيئين فأكثر، فيقال: تفاضل القوم إذا تنافسوا في الفضل، وادعى كل فريق الفضل على الآخر [1] .
وتفاضل آي القرآن: هو فضل بعضها على بعض.
ومسألة تفاضل القرآن الكريم مبنية على مسألة تفضيل بعض كلام الله على بعض، وقد وصفها شيخ الإسلام بأنها =مسألة كبيرة+.
وقد كَثُر النزاع فيها واضطرب بين الطوائف والفرق.
وقد صنَّف الشيخ - رحمه الله - مصنَّفًا كبيرًا في هذه المسألة حشد فيه الشيخ الأدلة المتضافرة الكثيرة الدالة على وجود التفاضل في كلام الله عامة، وفي القرآن الكريم بالخصوص، وناقش المنكرين وفنَّد حججهم بنَفَسٍ طويل ظهر فيه سِعة علم الشيخ، وهذا المصنَّف كتبه الشيخ جوابًا على سؤال عن هذه المسألة واسمه =جواب أهل العلم والإيمان بأن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن+.
وقد أفرد لها الزركشي في البرهان نوعًا سماه =هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟ + [2] وتبعه السيوطي وجعل لها نوعًا سماه =أفضل القرآن وفضائله+ [3] .
وقد ذكر المسألة والخلاف فيها غير واحد من المفسرين عند تفسيره قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [4] [5] . وهي من المسائل التي يبحثها أهل الاعتقاد عند الحديث عن تفاضل صفات الله - عز وجل - وتفاضل الصفة الواحدة من صفات الله عز وجل.
ومسألة التفاضل لها تعلق بمسائل النسخ التي تبحث في كتب أصول الفقه [6] .
والبحث في هذه المسألة بعد هذا التمهيد ينتظم في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المثبتون لتفاضل آي القرآن الكريم وسوره وأدلتهم.
المطلب الثاني: وجه التفاضل بين آي القرآن الكريم وسوره.
(1) ينظر: الاشتقاق لابن دريد (ص 64) ، وتهذيب اللغة (12/ 39) ، ولسان العرب (5/ 3428) .
(2) البرهان (2/ 67) .
(3) الإتقان (2/ 199) .
(4) سورة البقرة، الآية: 106.
(5) ينظر: تفسير الطبري (1/ 382، تفسير القرطبي(1/ 373) ، البحر المحيط (1/ 344) ، تفسير النسفي (1/ 68) ، تفسير البغوي (1/ 104) .
(6) ويبحثونها تحديدًا في مسألة نسخ القرآن بالسنة. ينظر: الفروع لابن مفلح (1/ 416) ، المستصفى للغزالي (1/ 125) ، والواضح في أصول الفقه لابن عقيل (1/ 254) ، والفصول في الأصول لأبي بكر الجصاص (2/ 349) .