المبحث الرابع:
قال شيخ الإسلام:
ومثل أصول الشرائع كما ذكر في سورة (الأنعام) و (الأعراف) و (سبحان) وغيرهن من السور المكية: من أمره بعبادته وحده لا شريك له، وأمره ببر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والعدل في المقال، وتوفية الميزان والمكيال، وإعطاء السائل والمحروم، وتحريم قتل النفس بغير الحق، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم الإثم والبغي بغير الحق، وتحريم الكلام في الدين بغير علم، مع ما يدخل في التوحيد من إخلاص الدين لله، والتوكل على الله والرجاء لرحمة الله، والخوف من الله، والصبر لحكم الله والقيام لأمر الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من أهله وماله والناس أجمعين. إلى غير ذلك من أصول الإيمان التي أنزل
(1) للعلماء اصطلاحات عدة في حد المكي والمدني في القرآن: أحدها: أن المكي ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة. والثاني: أن المكي ما وقع خطابًا لأهل مكة، والمدني ماوقع خطابًا لأهل المدينة، ثم إنهم قد جعلوا لذلك صيغًا عُلم بالاستقراء اختصاصها بمكة أو المدينة؛ كقولهم: إن ياأيها الناس تختص بأهل مكة، ويا أيها الذين آمنوا تختص بأهل المدينة لفشو الإسلام فيها، وغير ذلك. والثالث: أن المكي مانزل قبل الهجرة، والمدني مانزل بعدها، وإن كان بمكة، و هو الأرجح كما قال ابن حجر.
و هو أمثلها. الذي اختاره كثير من أهل العلم. ولا يخلو التعريف الأول والثاني من مأخذ.
فمن المآخذ على الأول: أنه غير ضابط ولا حاصر لأنه لا يشمل ما نزل بغير مكة والمدينة وضواحيهما ولا ريب أن عدم الضبط في التقسيم يترك واسطة لا تدخل فيما يذكر من الأقسام وذلك عيب يخل بالمقصود الأول من التقسيم وهو الضبط والحصر.
ومن المآخذ على الثاني أمران:
أحدهما: ما ورد على سابقه من أنه غير ضابط ولا حاصر فإن في القرآن ما نزل غير مصدر بأحدهما نحو قوله سبحانه في فاتحة سورة الأحزاب {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: 1] . ونحو قوله سبحانه في فاتحة سورة المنافقون: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1] . ثانيهما: أن هذا التقسيم غير مطرد في جميع موارد الصيغتين المذكورتين بل إن هناك آيات مدنية صدرت بصيغة يأيها الناس وهناك آيات مكية صدرت بصيغة يأيها الذين آمنوا.
مثال الأولى: سورة النساء فإنها مدنية وأولها {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [النساء:1] ، وكذلك سورة البقرة مدنية وفيها {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] .
ومثال الثانية: سورة الحج فإنها مكية مع أن في أواخرها {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77] .
أما إن أريد أن الغالب كذلك فصحيح.
قال الزرقاني: = أقول ولكن صحة الكلام في ذاته لا تسوغ صحة التقسيم فإن من شأن التقسيم السليم أن يكون ضابطا حاصرا وأن يكون مطردا وقيد الغالبية المراد لا يحقق الضبط والحصر وإن حقق الاطراد فيبقى التقسيم معيبًا+.
ينظر: البرهان (1/ 187 - 192) . والإتقان (1/ 15، 16) . و فتح الباري (9/ 41) . والعجاب في بيان الأسباب (1/ 243) وروح المعاني (8/ 18) ، مناهل العرفان (1/ 135) .