المبحث الأول
النسخ في اصطلاح المتقدمين
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
=وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك كما قال من قال إن قوله تعالى:
{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [1] ، {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [2] نسخ بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [3] وليس بين الآيتين تناقض لكن قد يفهم بعض الناس من قوله حق تقاته وحق جهاده الأمر بما لا يستطيعه العبد فينسخ ما فهمه هذا، كما ينسخ الله ما يلقى الشيطان ويحكم الله آياته وإن لم يكن نسخ ذلك نسخ ما أنزله، بل نسخ ما ألقاه الشيطان إما من الأنفس أو من الأسماع أو من اللسان، وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى وإن كانت الآية لم تدل عليه لكنه محتمل، وهذه الآية من هذا الباب، فإن قوله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} [4] الآية إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس، وقوله: (لمن يشاء) يقتضي أن الأمر إليه في المغفرة والعذاب لا إلى غيره، ولا يقتضي أنه يغفر ويعذب بلا حكمة ولا عدل كما قد يظنه من يظنه+ [5] .
ويقول أيضًا: =والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف العام كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق ... + [6] .
ويقول أيضًا =وأما تسمية المتأخرين تخصيصًا وتقييدًا ونحو ذلك مما فيه صرف الظواهر فهو داخل في مسمى النسخ عند المتقدمين، وعلى هذا الاصطلاح فيدخل النسخ في الإخبار كما يدخل في الأوامر، وإنما النسخ الخاص الذي هو رفع الحكم فلا بد في الخبر عن أمر مستقر+ [7] .
الدراسة:
(1) الآية 102 من سورة آل عمران.
(2) الآية 78 من سورة الحج.
(3) الآية 16 من سورة التغابن.
(4) الآية 284 من سورة البقرة.
(5) مجموع الفتاوى (14/ 101) .
(6) مجموع الفتاوى (13/ 272) .
(7) الاستقامة (1/ 23) .