تمهيد:
النسخ في اللغة له معنيان:
أحدهما: الرفع والإزالة، يقال: نسخت الشمسُ الظلَّ إذا رفعته وأزالته ونسخت الريحُ الأثر كذاك.
والثاني: النقل نحو: نسخت الكتاب إذا نقلته، وهو نوعان:
أحدهما: النقل مع عدم الأصل، ومنه تناسخ الورثة وهو: أن يموت ورثة بعد ورثة، وأصل الإرث قائم لم يقسم.
الثاني: النقل مع بقاء الأول كنسخ الكتاب، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [1] أي: نكتب [2] .
قال ابن فارس: =النون والسين والخاء أصل واحد إلا أنه مختلف في قياسه قال قوم: قياسه رفع شيء وإثبات غيره مكانه، وقال آخرون: قياسه تحويل شيء إلى شيء آخر، قالوا: النسخ نسخ الكتاب ونسخ أمر كان يعمل به من قبل ثم نسخ بحادث غيره كالآية ينزل فيها أمر ثم تنسخ بآية أخرى، وكل شيء خلف شيئًا فقد استنسخه+ [3] .
أما النسخ في الاصطلاح فله معنيان:
أحدهما: اصطلاح السلف: قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن السلف كانوا يطلقون النسخ على كل رفع لدلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق، فيدخل في مسماه عندهم تخصيص العام وتقييد المطلق
ومعنى هذا أن السلف كانوا يطلقونه على تخصيص العام وتقييد المطلق وتفصيل المجمل وإيضاح المبهم، كما أنهم يطلقونه على النسخ بمعناه الاصطلاحي المتأخر عند الأصوليين.
وسبب إطلاقهم النسخ عليها:
أنها تشترك في أن جزءًا من تلك النصوص لم يكن معمولًا به؛ فأشبهت النسخ من جهة كون الحكم فيه غير معمول به.
وقد أشار ابن القيم إلى هذا المعنى بقوله: =ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل
(1) من الآية رقم 29 من سورة الجاثية.
(2) ينظر: أساس البلاغة (ص 630) ، مختار الصحاح (ص 565) ، المصباح المنير (ص 493) ، القاموس المحيط (ص 261) (نسخ) .
(3) مقاييس اللغة (5/ 324) .