فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 451

المبحث الخامس

أقسام النسخ

أولًا: النسخ باعتبار دليله:

قال شيخ الإسلام - رحمه الله:

=إن الصحابة والتابعين الذين أُخذ عنهم علم الناسخ والمنسوخ إنما يذكرون نسخ القرآن بقرآن لا يذكرون نسخه بلا قرآن، بل بسنة، وهذه كتب الناسخ والمنسوخ المأخوذة عنهم إنما تتضمن هذا، وكذلك قول علي - رضي الله عنه - للقاصِّ: هل تعرف الناسخ من المنسوخ في القرآن؟ فلو كان ناسخ القرآن غير القرآن لوجب أن يذكر ذلك أيضًا، وأيضًا الذين جوزوا نسخ القرآن بلا قرآن من أهل الكلام والرأي إنما عمدتهم أنه ليس في العقل ما يحيل ذلك، وعدم المانع الذي يعلم بالعقل لا يقتضي الجواز الشرعي، فإن الشرع قد يعلم بخبره ما لا علم للعقل به، وقد يعلم من حكمة الشارع التي علمت بالشرع ما لا يعلم بمجرد العقل؛ ولهذا كان الذين جوزوا ذلك عقلًا مختلفين في وقوعه شرعًا، وإذا كان كذلك فهذا الخبر الذي في الآية دليل على امتناعها شرعًا، وأيضًا فإن الناسخ مهيمن على المنسوخ قاض عليه مقدم عليه، فينبغي أن يكون مثله أو خيرًا منه، كما أخبر بذلك القرآن؛ ولهذا لما كان القرآن مهيمنًا على ما بين يديه من الكتاب بتصديق ما فيه من حق وإقرار ما أقره ونسخ ما نسخه كان أفضل منه، فلو كانت السنة ناسخة للكتاب لزم أن تكون مثله أو أفضل منه، وأيضًا فلا يعرف في شيء من آيات القرآن أنه نسخه إلا قرآن، والوصية للوالدين والأقربين منسوخة بآية المواريث كما اتفق على ذلك السلف، قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [1] . والفرائض المقدرة من حدوده، ولهذا ذكر ذلك عقب ذكر الفرائض، فمن أعطى صاحب الفرائض أكثر من فرضه فقد تعدى حدود الله بأن نقص هذا حقه وزاد هذا على حقه، فدل القرآن على تحريم ذلك وهو الناسخ+ [2] .

ويقول أيضًا: =وهم إنما كانوا يقضون بالكتاب أولًا، لأن السنة لا تنسخ الكتاب، فلا يكون في القرآن شيء منسوخ بالسنة، بل إن كان فيه

(1) الآيتان رقم 13 - 14 من سورة النساء.

(2) مجموع الفتاوى (17/ 197 - 198) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت