المطلب الثالث
تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف وسببه
قول السائل ما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف فهذا مرجعه إلى النقل واللغة العربية؛ لتسويغ الشارع لهم القراءة بذلك كله؛ إذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه؛ بل القراءة سنة متبعة، وهم إذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب في المصحف الأمامي، وقد قرأ بعضهم بالياء وبعضهم بالتاء لم يكن واحدٌ منهما خارجًا عن المصحف، ومن ذلك أنهم يتفقون في بعض المواضع على ياء أو تاء ويتنوعون في بعض كما اتفقوا في قوله تعالى (وما الله بغافل عما تعملون) في موضع وتنوعوا في موضعين وقد بينا أن القراءتين كالآيتين فزيادة القراءات كزيادة الآيات لكن إذا كان الخط واحدًا واللفظ محتملًا كان ذلك أخصر في الرسم، والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف. أما إذا قيل إن ذلك هي الأحرف السبعة فظاهر، وكذلك بطريق الأولى إذا قيل أن ذلك حرف من الأحرف السبعة؛ فإنه إذا كان قد سوغ لهم أن يقرؤوه على سبعة أحرف كلها شاف كاف، مع تنوع الأحرف في الرسم؛ فلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك في الرسم وتنوعه في اللفظ أولى وأحرى، وهذا من أسباب تركهم المصاحف أول ما كتبت غير مشكولة ولا منقوطة لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين كالتاء والياء والفتح والضم وهم يضبطون باللفظ كلا الأمرين ويكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيها بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين [1] .
الدراسة [2] :
بين الشيخ - رحمه الله - أن السبب الموجب لتنوع القراءات هو تجويز الشارع لهم القراءة بهذه القراءات، فقد سوَّغ لهم أن يقرؤوه على سبعة أحرف كلها شاف كاف مع تنوّع هذه الأحرف في الرسم والقراءة، فمن باب أولى أن يسوغ لهم القراءة بأوجه متنوعة مع احتمال الرسم لها.
وقد استقر الأمر على رسم مصحف عثمان، وتُرك هذا الرسم من غير شكل ولا نقط، لتكون صورة الرسم محتملة لأوجه القراءة.
(1) مجموع الفتاوى (13/ 339 - 402)
(2) قد صنف الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي كتابًا في هذه المسألة، بين فيه السبب الموجب لاختلاف القراءات وأنواعه ومثل لكل نوع، وقد طبع هذا الكتاب بتحقيق الدكتور أحمد بن فارس السلوم، وهو في الأصل باب من أبوابه كتابه =الهداية في القراءات السبع+ أفردها ناسخها بكتاب مستقل لأهميته، كما أفاده المحقق، وقد طبع أيضًا بتحقيق الدكتور/ حاتم الضامن.