فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 451

كما روعي هذا الاختلاف في القراءة في نُسَخ المصحف التي أرسلت إلى الأمصار حيث إن بينها اختلافًا من حيث الزيادة والنقصان؛ لتشمل وجوه القراءة التي استقر عليها جمع عثمان - رضي الله عنه - وليس هذا من اختلاف التضاد، بل هو من قبيل اختلاف التنوع.

قال أبو عمرو الداني - رحمه الله: =إن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لما جمع القرآن في المصاحف ونسخها على صورة واحدة، وآثر في رسمها لغة قريش دون غيرها مما لا يصح ولا يثبت، نظرًا للأمة واحتياطًا على أهل الملة، وثبت عنده أن هذه الحروف من عند الله - عز وجل - كذلك منزلة، ومن رسول الله ^ مسموعة، وعلم أن جمعها في مصحف واحد على تلك الحال غير متمكن إلا بإعادة الكلمة مرتين، وفي رسم ذلك من التخليط والتغيير للمرسوم ما لا خفاء به، ففرَّقها في المصاحف لذلك، فجاءت مثبتة في بعضها ومحذوفة في بعضها لكي تحفظها الأمة كما نزلت من عند الله عز وجل، وعلى ما سُمعت من رسول الله ^، فهذا سبب اختلاف مرسومها في مصاحف الأمصار+ [1] .

وقد قرر الشيخ أن المعوّل عليه في تنوع القراءات هو النقل واللغة، وموافقة رسم المصحف، ولو احتمالًا، وهذه هي شروط القراءة المتواترة.

فالأول: هو النقل والرواية، وهو ثبوت القراءة بالنقل الصحيح [2] ، إذ القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول، ولا مجال فيها للرأي والابتداع.

ولهذا السبب أرسل الخليفة الراشد عثمان - رضي الله عنه- مع كل مصحف مقرئًا إلى كل مصرٍ من الأمصار التي وجهت إليها المصاحف ليتلقى الناس عنه القراءة، ولتضبط وجوه الاختلاف باللفظ، فالرواية والتلقي قاضية على الرسم لا العكس.

والشرط الثاني: هو موافقة اللغة العربية، وهي أن تكون غير خارجة عن لسان العرب وإن لم تكن الأشهر أو الأفصح عند النحويين.

قال أبو عمر الداني: =وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت لم يردها قياس عربية، ولا فشوّ لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها+ [3] .

الشرط الثالث: موافقة رسم المصحف ولو احتمالًا، وذلك بأن تكون القراءة موافقة لأحد المصاحف العثمانية المشهورة.

(1) المقنع في رسم مصاحف الأمصار (ص 118) .

(2) ينظر: الإبانة عن معاني القراءات لمكي (ص 239) ، وبيان السبب الموجب لاختلاف القراءات وكثرة الطرق والروايات (ص 49) ، ومنجد المقرئين (ص 81) .

(3) جامع البيان في القراءات السبع المشهورة للداني (172/ب) نقلًا عن المنهاج في الحكم على القراءات (ص 34) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت