المبحث الثاني
الحكمة من النسخ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
= ... قالوا لا ينسخ ما حرمه ولا ينهى عما أمر به فقال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [1] . قال البراء بن عازب كما في الصحيحين: هم اليهود [2] فقال سبحانه: {لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [3] . فذكر ما في النسخ من تعليق الأمر بالمشيئة الإلهية ومن كون الأمر الثاني قد يكون أصلح وأنفع، فقوله (يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) بيان للأصلح الأنفع، وقوله: (من يشاء) رد للأمر إلى المشيئة وعلى بعض ما في الآية اعتماد جميع المتكلمين حيث قالوا: التكليف إما تابع لمحض المشيئة كما يقوله قوم أو تابع للمصلحة كما يقوله قوم، وعلى التقديرين فهو جائز+ [4] . ويقول أيضًا: =والمقصود أن كلما أمر الله به أمر به لحكمة وما نهى عنه نهى لحكمة، وهذا مذهب أئمة الفقهاء قاطبة وسلف الأمة وأئمتها وعامتها، فالتعبد المحض بحيث لا يكون فيه حكمة لم يقع نعم قد تكون الحكمة في المأمور به، وقد تكون في الأمر، وقد تكون في كليهما، فمن المأمور به ما لو فعله العبد بدون الأمر حصل له منفعة كالعدل والإحسان إلى الخلق وصلة الرحم وغير ذلك، فهذا إذا أمر به صار فيه حكمتان: حكمة في نفسه، وحكمة في الأمر، فيبقى له حسن من جهة نفسه ومن جهة أمر الشارع، وهذا هو الغالب على الشريعة، وما أمر الشرع به بعد أن لم يكن إنما كانت حكمته لما أمر به، وكذلك ما نسخ زالت حكمته وصارت في بدله كالقبلة ... + [5] .
الدراسة:
بين شيخ الإسلام ابن تيمية من خلال ما تقدم أن النسخ لا بد أن يكون لحكمة، وأن ما نسخ زالت حكمته وصارت في بدله بحيث أصبح هو الأصلح والأنفع، وفي ذلك بيان أن النسخ فيه مراعاة لمصالح الناس وتشريع
(1) الآية 142 من سورة البقرة.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان رقم (399) (ص 99) ، ومسلم في كتاب المساجد، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة رقم (525) (ص 213) .
(3) الآية 142 من سورة البقرة.
(4) مجموع الفتاوى (4/ 112 - 114) .
(5) مجموع الفتاوى (14/ 144) .