المطلب الأول
الإحكام والتشابه بالاعتبار العام والاعتبار الخاص
وقال رحمه الله:
=وكما وصف الله سبحانه وتعالى القرآن كله بالإحكام، فقد وصفه كله بأنه متشابه، فقال عزّ وجل: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [1] ، ومعنى كونه متشابهًا: أي يشبه بعضه بعضًا في الإحكام والإتقان فلا يستطيع أحد المفاضلة والتمييز بين آية وأخرى للتماثل في البلاغة والهداية.
فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدِّق بعضه بعضًا، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به، أو بنظيره، أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره، أو عن لوازمه، إذا لم يكن هناك نسخ، ... وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ، فإذا كانت المعاني يوافق بعضها بعضًا، ويعضد بعضها بعضًا، ويناسب بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعضٍ، ويقتضي بعضها بعضًا، كان الكلام متشابهًا، بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضًا.
وهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضًا، لا يناقض بعضه بعضًا+ [2] .
الدراسة:
قرر شيخ الإسلام أنه قد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنه كله محكم، نحو قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ} [3] ، وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه، قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [4] ، وجاء فيه ما يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [5] ، ولا تعارض بين هذه
(1) سورة الزمر، الآية: 23.
(2) مجموع الفتاوى (3/ 59) .
(3) سورة هود، الآية: 1.
(4) سورة الزمر، الآية: 23.
(5) سورة آل عمران، الآية: 7.