قال شيخ الإسلام:
فطوائف يقولون بعض كلام الله أفضل من بعض، كما نطقت به النصوص النبوية؛ حيث أخبر عن (الفاتحة) أنه لم ينزل في الكتب الثلاثة مثلها، وأخبر عن سورة (الإخلاص) أنها تعدل ثلث القرآن [1] ، وعدلها لثلثه يمنع مساواتها لمقدارها في الحروف، وجعل (آية الكرسي) أعظم آية في القرآن كما ثبت ذلك في الصحيح أيضا وكما ثبت ذلك في صحيح مسلم أن النبي ^ قال لأبي بن كعب: (يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم؟) قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله أعظم؟) ، قال: فقلت: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) قال: فضرب في صدري وقال: (ليهنك العلم أبا المنذر) [2] . ورواه ابن أبى شيبة في مسنده بإسناد مسلم وزاد فيه (والذي نفسي بيده إن لهذه الآية لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش) [3] وروي أنها سيدة آي القرآن، وقال في المعوذتين: (لم ير مثلهن قط) [4] .
وقد قال تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} فأخبر أنه يأتي بخير منها أو مثلها، وهذا بيان من الله لكون تلك الآية قد يأتي بمثلها تارة أو خير منها أخرى، فدل ذلك على أن الآيات تتماثل تارة وتتفاضل أخرى.
وأيضًا فالتوراة والإنجيل والقرآن جميعها كلام الله مع علم المسلمين بأن القرآن أفضل الكتب الثلاثة؛ قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} وقال تعالى: ( {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، وقال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ، وقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}
(1) أخرجه البخاري: كتاب فضائل القرآن، 4/ 1915، ح (7426) ، صحيح مسلم: كتاب الصلاة، باب فضل قراءة قل هو الله أحد، 1/ 556، ح 811.
(2) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، 1/ 556، ح (81) .
(3) المسند المستخرج على الصحيحين، باب فضل آية الكرسي، 2/ 406، ح (1836) ومسند أبي عوانة باب ذكر الخبر الموجب قراءة البقرة وآل عمران، 2/ 486، ح (3937) .
(4) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب فضل قراءة المعوذتين، 1/ 558، ح (814) .