فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 451

؛ فأخبر أنه أحسن الحديث، فدل على أنه أحسن من سائر الأحاديث المنزلة من عند الله وغير المنزلة، وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} ، وسواء كان المراد بذلك الفاتحة أو القرآن كله، فإنه يدل على أن القرآن العظيم له اختصاص بهذا الوصف على ما ليس كذلك. وقد سمى الله القرآن كله مجيدًا وكريمًا وعزيزًا، وقد تحدى الخلق بأن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور منه أو بمثل سورة منه؛ فقال:

{فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} ، وقال: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} ، وقال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} .

وخصه بأنه لا يقرأ في الصلاة إلا هو، فليس لأحد أن يقرأ غيره مع قراءته ولا بدون قراءته، ولا يصلي بلا قرآن فلا يقوم غيره مقامه مع القدرة عليه، وكذلك لا يقوم غير الفاتحة مقامها من كل وجه باتفاق المسلمين، سواء قيل بأنها فرض تعاد الصلاة بتركها، أو قيل بأنها واجبة يأثم تاركها ولا إعادة عليه، أو قيل إنها سنة، فلم يقل أحد إن قراءة غيرها مساو لقراءتها من كل وجه.

وخص القرآن بأنه لا يمس مصحفه إلا طاهر، كما ثبت ذلك عن الصحابة؛ مثل سعد، وسلمان، وابن عمر، وجماهير السلف، والخلف؛ الفقهاء الأربعة وغيرهم. ومضت به سنة رسول الله في كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم الذي لا ريب في أنه كتبه له، ودل على ذلك كتاب الله، وكذلك لا يقرأ الجنب القرآن عند جماهير العلماء؛ الفقهاء الأربعة وغيرهم، كما دلت على ذلك السنة.

وتفضيل أحد الكلامين بأحكام توجب تشريفه يدل على أنه أفضل في نفسه، وإن كان ذلك ترجيحا لأحد المتماثلين بلا مرجح، وهذا خلاف ما علم من سنة الرب تعالى في شرعه، بل وفى خلقه، وخلاف ما تدل عليه الدلائل العقلية مع الشرعية.

وأيضًا فقد قال تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} ، وقال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} وقال تعالى: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} . فدل على أن فيما أنزل حسن وأحسن، سواء كان الأحسن هو الناسخ الذي يجب الأخذ به دون المنسوخ إذ كان لا ينسخ آية إلا يأتي بخير منها أو مثلها، أو كان غير ذلك.

والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف، وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم، وكلام القائلين بذلك كثير منتشر في كتب كثيرة مثل ما سيأتي ذكره عن أبى العباس بن سريج في تفسيره لهذا الحديث بأن الله أنزل القرآن على ثلاثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت